الصفحة 11 من 11

إلى هنا انتهى النقل عن الشيخ عبد اللطيف وعن أئمة الدعوة.

ومن خير ما نختم به؛ مجموعة من نصائح الشيخ لاخوانه وطلبته، يذكرهم فيها بسبل مواجهة الجيوش الكافرة المحتلة للجزيرة العربية، وطرق النجاة من فتنتها.

فمن تلك النصائح ...

أ) قوله رحمه الله في رسالته إلى زيد بن محمد:

(وهذه الفتن أصاب الإسلام منها بلاء عظيم، قلعت قواعده، وانهدمت أركانه، واجتثت بنيانه، وهل عند رسم دارس من معول؟!

فالواجب؛ مساعدة إخوانكم بصالح الدعاء، ونشر العلم، وبذل النصائح، وتقديم خوف الله على مخافة خلقه، وما منكم من أحد إلا وهو على ثغر من ثغور الإسلام، فلا يؤتى الإسلام من قبله) [67] .

ب) وقال رحمه الله في رسالة إلى أهل الحوطة:

(فأوصيكم بتقوى الله وطاعته، والاعتصام بحبله، وترك التفرق والاختلاف، ولزوم جماعة المسلمين، فقد قامت الحجة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعرفتم أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة.

وقد أناخ بساحتكم من الفتن والمحن؛ ما لا نشكوه إلا إلى الله، فمن ذلك الفتنة الكبرى، والمصيبة العظمى؛ الفتنة بعساكر المشركين، أعداء الملة والدين، وقد اتسعت وأضرت.

ولا ينجو المؤمن منها؛ إلا بالاعتصام بحبل الله، وتجريد التوحيد، والتحيز إلى أولياء الله وعباده المؤمنين، والبراءة كل البراءة ممن أشرك بالله وعدل به غيره، ولم ينزهه عما انتحله المشركون وافتراه المكذبون.

وأفضل القرب إلى الله؛ مقت أعدائه المشركين، وبغضهم وعداوتهم وجهادهم، وبهذا ينجو العبد من توليهم من دون المؤمنين، وإن لم يفعل ذلك؛ فله من ولايتهم بحسب ما أخل به وتركه من ذلك.

فالحذر ... الحذر مما يهدم الإسلام ويقلع أساسه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ) [68] .

ج) وقال رحمه الله في رسالة إلى عثمان بن مرشد، ومحمد بن علي، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد:

(والواجب عند ورود الشبهات؛ هو القيام لله مثنى وفرادى والتفكر، لا سيما عند هذه الفتنة، التي عمت وطمت، وأعمت وأصمت.

فإنها كما في حديث حذيفة، قال: قلت:"يا رسول الله، إنا كنا في شر، فذهب الله بذلك الشر، وجاء بالخير على يديك. فهل بعد هذا الخير من شر؟"، قال:"نعم"، قال:"ما هو؟"، قال:"فتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضًا، تأتيكم مشتبهة، كوجوه البقر؛ لا تدرون أيًا من أي" [69] .

فهذه الفتن الواقعة في هذا الزمان، من جنس ما أشير إليه في الحديث الذي خرجه الإمام أحمد في مسنده، فتعين الاهتمام بالمخرج منها، والنجاة فيها.

ولا سبيل إلى ذلك؛ إلا بالاعتصام بحبل الله، ومعرفة ما أوجبه وندب إليه في كتابه من شرائع الإيمان وحدوده، وما نهى عنه وحرمه من شعب الكفر والنفاق وحدوده.

وقد نص على هذا صلى الله عليه وسلم لما سأله حذيفة عن الفتن.

فعن حذيفة رضي الله عنه:"كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وأسأله عن الشر، وعرفت أن الخير لن يسبقني"، قلت:"يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟"، قال:"يا حذيفة، تعلّم كتاب الله، واتبع ما فيه"- ثلاث مرار - قال: قلت:"يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟"، قال:"فتنة وشر"، قال: قلت:"يا رسول الله، أبعد هذا الشر خير؟"، قال:"هدنة على دخن، وجماعة على إقذاء"، قال: قلت:"يا رسول الله، الهدنة على دخن، ما هي؟"، قال:"لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه"، قال: قلت:"يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟"، قال:"يا حذيفة، تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه"- ثلاث مرار - قال: قلت:"يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟"، قال:"فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على أبواب النار، وأن تموت يا حذيفة وأنت عاض على جذل [70] ، خير لك من أن تتبع أحدًا منهم" [71] .

قلت: فتأمل ما أرشد إليه حذيفة، ووصاه عند حدوث الفتن العظام، التي لا يبصر أهلها الحق، ولا يسمعون من الداعي والناصح، وتكريره الوصية بقراءة كتاب الله، واتباع ما فيه.

لأن المخرج من كل فتنة؛ موجود فيه، مقرر، لكن لا يفهمه ويفقهه إلا من تعلم كتاب الله - ألفاظه ومعانيه - ووفق للعمل بما فيه، فذلك جدير أن يهبه الله نورًا يمشي به في الناس ...

فعليكم بلزوم الوصية النبوية لصاحب السر؛ حذيفة بن اليمان، وتدبر القرآن والتفقه في معانيه ... ) [72] .

د) وقال رحمه الله في رسالة إلى بعض إخوانه من بني تميم:

(والعاقل يدور مع الحق أينما دار، وقتال الدولة والأتراك والإفرنج وسائر الكفار؛ من أعظم الذخائر المنجية من النار.

{وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} ) [73] .

هـ) وقال رحمه الله في رسالة إلى من يراها من المسلمين:

(اغتنموا رحمكم الله؛ حضور المشاهد التي يترتب عليها إعلاء كلمة الله، ونصر دينه ورسوله، ومراغمة أعدائه، فإن هذه المشاهد من الموجبات للرحمة والمغفرة والسعادة الأبدية، وما يدريك؛ أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟!

وإذا هجم العدو على بلاد الإسلام؛ صار الجهاد فرض عين، فأجمعوا أمركم على جهاد عدوكم، لابتغاء مرضاة ربكم، وأطيعوا ذا أمركم، وأخلصوا النية، وأصلحوا الطوية، فإنما لكل امرئ ما نوى.

واتقوا الله - عباد الله - وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، فقد رأيتم ما بلغ من مكائد الشيطان، وتفريق كلمة أهل الإيمان، حتى انسلخ الأكثر من الدين، ولحق فئام من المسلمين بأعداء الملة والدين) [74] .

و) وقال رحمه الله في رسالة إلى زيد بن محمد وصالح بن محمد الشثري:

(وأوصيكم بالصدق مع الله، واستدراك ما فرطتم فيه من الغلظة على المنافقين، الذين فتحوا للشرك كل باب، وركن إليهم كل منافق كذاب.

وتأمل قوله بعد نهيه عن موالاة الكافرين: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم) [75] .

[67] د: ج9 /ص41 - 41.

[68] د: ج9 /ص23 - 24.

[69] رواه الإمام أحمد في مسنده، برقم: 22239.

[70] الجذل؛ جذع الشجرة وأصلها.

[71] رواه الإمام أحمد في مسنده، برقم: 22195، وأبو داود في سننه، برقم: 3706، وغيرهما.

[72] د: ج8/ص320 - 321، م: ج3/ص49 - 50.

[73] د: ج9 /ص23.

[74] د: ج14 /ص202 - 203، م: ج3/ص58 - 59.

[75] د: ج9 /ص37، م: ج3/ص73، وهو آخر ما كتبه رحمه الله تعالى قبل وفاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت