هم أهل بدر فلا يخشون من حرجِ ... أ) تقديم الشيخ سليمان بن سحمان:
(وله أيضًا رحمه الله رسالة إلى زيد بن محمد آل سليمان.
وسببها؛ التحذير عما انهمك الناس فيه وشاع عنهم من الخوض والمراء والاضطراب والاعراض عن منهج السنة والكتاب، وميل الأكثرين إلى موالاة عباد الأصنام، والفرح بظهور الكفرة الطغام، والانحياز إلى حماهم، وتفضيل من يتولاهم أيضًا.
والانتصار للشيخ حمد بن عتيق رحمه الله لما اعترض عليه من اعترض فيما كتبه إلى بعض الإخوان؛ بأن ما كتبه ابن عجلان؛ ردة صريحة، فصرح المعترض بجهله ونال من عرضه وتعاظم هذه العبارة، وزعم انه غلا وتجاوز الحد.
فبين الشيخ رحمه الله ما في كلام ابن عتيق من بعض الخطأ في التعبير، وان ذلك من الغيرة لله والنكير، فلا ينبغي معارضة من انتصر لله ولكتابه وذب عن دينه وأغلظ أمر الشرك والمشركين، ولا يُلتفت إلى زلاته والاعتراض على عباراته، فمحبة الله والغيرة لدينه ونصرة كتابه ورسوله؛ مرتبة علية، محبوبة لله مرضية، يُغتفر فيها العظيم من الذنوب.
وقد أبلج الشيخ في هذه الرسالة الحق وأوضحه، وأثلج به الصدور، فانكشف عنها الغطاء، فما انصحه! واستبان الصواب لذوي الألباب، فما اصرحه!
وهذا نص الرسالة) [39] .
ب) نص الرسالة:
(بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ زيد بن محمد آل سليمان، حفظه الله من طوائف الشيطان، وحماه من طوارق المحن والافتتان، وجعله من عسكر السنة والقرآن.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وما كتب في هذه المحنة من الشبه، فقد عرفت؛ أن الفتنة بالمشركين فتنة عظيمة، وداهية عمياء ذميمة، لا تبقي من الإسلام ولا تذر، لا سيما في هذا الزمان الذي فشا فيه الجهل، وقبض فيه العلم، وتوافرت أسباب الفتن، وغلب الهوى، وانطمست أعلام السنن، و {ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} ، وعند ذلك؛ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} .
وقد شاع ما الناس فيه، من الخوض والمراء، والاضطراب والإعراض، عن منهج السنة والكتاب، ومال الأكثرون؛ إلى موالاة عباد الأصنام، والفرح بظهورهم، والانحياز إلى حماهم، وتفضيل من يتولاهم؛ وحبك الشيء يعمي ويصم.
وقد صدر من الشيخ محمد بن عجلان؛ رسالة ما ظننتها تصدر من ذي عقل وفهم، فضلًا عن ذي الفقه والعلم.
وقد نبهت على ما فيها من الخطإ الواضح، والجهل الفاضح، وكتمت عن الناس أول نسخة وردت علينا، حذرًا من إفشائها وإشاعتها بين العامة والغوغاء، ولكنها فشت في الخرج والفرع، وجاء منها نسخة إلى بلدتنا، وافتتن بها من غلب الهوى، وضل عن سبيل الرشاد والهدى، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} .
وأخبرت من يجالسني؛ أن جميع ما فيها من النقول الصحيحة والآثار، حجة على منشيها، تهدم ما بناه مبديها، وأنه وضع النصوص في غير موضعها، ولم يعط القوس باريها.
وبلغني عن الشيخ حمد، أنه أنكر واشتد نكيره، ورأيت له خطًا أرسله إلى بعض الإخوان، بأن ما كتبه ابن عجلان ردة صريحة.
وبلغني أن بعضهم دخل من هذا الباب، واعترض على ابن عتيق، وصرح بجهله ونال من عرضه، وتعاظم هذه العبارة، وزغم أنه غلا وتجاوز الحد، فحصل بذلك تنفيس لأهل الجفاء وعُباد الهوى.
والرجل وإن صدر منه بعض الخطأ في التعبير، فلا ينبغي معارضة من انتصر لله ولكتابه وذب عن دينه، وأغلظ في أمر الشرك والمشركين، على من تهاون أو رخص وأباح بعض شعبه، وفتح باب وسائله وذرائعه القريبة المفضية إلى ظهوره وعلوه، ورفض التوحيد ونكس أعلامه، ومحو آثاره وقلع أصوله وفروعه، ومسبة من جاء به، لقولة رآها وعبارة نقلها وما دراها، من إباحة الاستعانة بالمشركين.
مع الغفلة والذهول عن صورة الأمر والحقيقة، وأنه أعظم وأطم من مسألة الاستعانة والانتصار، بل هو تولية وتخلية بينهم، وبين أهل الإسلام والتوحيد، وقلع قواعده وأصوله، وسفك دماء أهله، واستباحة حرماتهم وأموالهم.
هذا هو حقيقة الجاري والواقع، وبذلك ظهر في تلك البلاد من الشرك الصريح، والكفر البواح، ما لا يبقي من الإسلام رسمًا يرجع إليه، ويعول في النجاة عليه، كيف وقد هدمت قواعد التوحيد والإيمان، وعطلت أحكام السنة والقرآن، وصرح بمسبة السابقين الأولين، من أهل بدر وبيعة الرضوان، وظهر الشرك والرفض جهرًا، في تلك الأماكن والبلدان [40] ؟!
ومن قصر الواقع على الاستعانة بهم؛ فما فهم القضية، وما عرف المصيبة والرزية.
فيجب حماية عرض من قام لله، وسعى في نصر دينه الذي شرعه وارتضاه، وترك الالتفات إلى زلاته، والاعتراض على عباراته; فمحبة الله والغيرة لدينه، ونصر كتابه ورسوله، مرتبة علية، محبوبة لله مرضية، يغتفر فيها العظيم من الذنوب، ولا ينظر معها إلى تلك الاعتراضات الواهية، والمناقشات التي تفت في عضد الداعي إلى الله، والملتمس لرضاه.
وهبه كما قيل، فالأمر سهل في جنب تلك الحسنات،"وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".
فليصنع الركب ما شاؤوا لأنفسهم
أو سدوا المكان الذي سدّا ... ولما قال المتوكل لابن الزيات:"يا ابن الفاعلة"، وقذف أمه، قال الإمام أحمد رحمه الله:"أرجو الله أن يغفر له" [41] ، نظرًا إلى حسن قصده في نصر السنة وقمع البدعة.
ولما قال عمر لحاطب ما قال، ونسبه إلى النفاق، لم يعنفه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أخبره أن هناك مانعًا [42] .
والتساهل في رد الحق وقمع الداعي إليه؛ يترتب عليه قلع أصول الدين، وتمكين أعداء الله المشركين من الملة والدين.
ثم إن القول قد يكون ردة وكفرًا، ويطلق عليه ذلك، وإن كان ثم مانع من إطلاقه على القائل.
وصريح عبارة الشيخ حمد التي رأينا؛ ليست في الاستعانة خاصة، بل في تسليم بلاد المسلمين إلى المشركين، وظهور عبادة الأصنام والأوثان.
ومن المعلوم؛ أن من تصور هذا الواقع ورضي به، وصوب فاعله وذب عنه، وقال بحله، فهو من أبعد الناس عن الإسلام والإيمان، إذا قام الدليل عليه.
وأما من أخطأ في عدم الفرق، ولم يدر الحقيقة، واغتر بمسألة خلافية؛ فحكمه حكم أمثاله من أهل الخطأ، إذا اتقى الله ما استطاع، ولم يغلب جانب الهوى [43] .
والمقصود؛ أن الاعتراض والمراء، من الأسباب في منع الحق والهدى، ومن عرف القواعد الشرعية، والمقاصد الدينية، والوسائل الكفرية، عرف ما قلناه.
والمعترضون على الشيخ؛ ليس لهم في الحقيقة أهلية لإقامة الحجج الشرعية، والبراهين المرضية، على ما يدعون من غلطه وخطئه، إنما هي اعتراضات مشوبة بأغراض فاسدة، وما أحسن ما قيل شعرًا:
أقلوا عليه لا أبا لأبيكمو من اللوم
إلا خلاف له حظ من النظرِ ... وأكثرهم يرى السكوت عن كشف اللبس في هذه المسألة، التي اغتر بها الجاهلون، وضل بها الأكثرون.
وطريقة الكتاب والسنة وعلماء الأمة، تخالف ما استحله هذا الصنف من السكوت، والإعراض في هذه الفتنة العظيمة، وإعمال ألسنتهم في الاعتراض على من غار لله ولكتابه ولدينه.
فليكن لك يا أخي طريقة شرعية، وسيرة مرضية، في رد ما ورد من الشبه، وكشف اللبس، والتحذير من فتنة العساكر، والنصح لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهذا لا يحصل مع السكوت، وتسليك الحال على أي حال.
فاغتنم الفرصة، وأكثر من القول في ذلك، واغتنم أيام حياتك، فعسى الله أن يحشرنا وإياك في زمرة عساكر السنة والقرآن، والسابقين الأولين من أهل الصدق والإيمان.
والشبهة التي تمسك بها من قال بجواز الاستعانة؛ هي ما ذكرها بعض الفقهاء، من جواز الاستعانة بالمشرك عند الضرورة.
وهو قول ضعيف مردود، مبني على آثار مرسلة، تردها النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة الصريحة النبوية.
ثم القول بها - على ضعفه - مشروط بشروط، نبّه عليها شراح الحديث، ونقل الشوكاني منها طرفًا في"شرح المنتقى" [44] .
منها؛ أمن الضرورة والمفسدة، وأن لا يكون لهم شوكة وصولة، وأن لا يدخلوا في الرأي والمشورة.
وأيضًا؛ ففرضها في الانتصار بالمشرك على المشرك، وأما الانتصار بالمشرك على الباغي عند الضرورة؛ فهو قول فاسد لا أثر فيه، ولا دليل عليه، إلا أن يكون محض القياس، وبطلانه أظهر شيء، للفرق بين الأصل والفرع، وعدم الاجتماع في مناط الحكم.
وليس كل خلاف جاء معتبرًا
والمقصود؛ المذاكرة في دين الله، والتواصي بما شرعه من دينه وهداه.
والسلام).
تتمة:
(غلط صاحب الرسالة، في معرفة الضرورة، فظنها عائدة إلى مصلحة ولي الأمر، في رياسته، وسلطانه، وليس الأمر كما زعم ظنه؛ بل هي ضرورة الدين، وحاجته إلى ما يعين عليه، وتحصل به مصلحته، كما صرح به من قال بالجواز، وقد تقدم ما فيه.
والله أعلم) [45] .
[39] م: ج3/ص160.
[40] هكذا هي عادة الروافض - دائما وأبدًا - كلما تواجه المسلمون والمشركون، انحازوا إلى صف المشركين.
يقول الشيخ عبد اللطيف عنهم: ( ... فإن قلوبهم ممتلئة غلًا وغشًا، ولهذا تجدهم من أبعد الناس عن الإخلاص، وأغشهم للأئمة والأمة، ولا يكونون قط إلا أعوانًا على أهل الإسلام مع أي عدو ناوأهم، وهذا أمر شاهدته الأمة، ومن لم يشاهده؛ فقد سمع منه ما يصم الآذان، ويشجي القلوب) [د: ج9/ص40، م: ج3/ص350] .
[41] قال الذهبي رحمه الله في"سير أعلام النبلاء"، في ترجمة إسماعيل ابن علية: (قال الإمام أحمد:"بلغني أنه أُدخل على الأمين، فلما رآه، زحف، وجعل يقول: يا ابن الفاعلة تتكلم في القرآن؟ وجعل إسماعيل يقول: جعلني الله فداك، زلة من عالم"، ثم قال أحمد:"إن يغفر الله له - يعني الأمين - فبها) ."
[42] انظر صحيح البخاري، حديث رقم: 2785، وصحيح مسلم، حديث رقم: 4550، وفيهما: (قال عمر:"يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق؟"، قال صلى الله عليه وسلم:"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك؟! لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال؛ اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم") .
[43] أما وقد مر ما يقارب العشر سنوات على فتوى الاستعانة بالصليبين؛ في حياة صاحبها، وأتضحت حقيقة تلك"الاستعانة"، وما أصاب المسلمين من جراء الجيوش الصليبية المتمركزة في جزيرة العرب من قتل وتجويع لعباد الله وتخريب للبلاد ونهب للثروات، ونوصح مرات عديدة من مشايخ كُثر، فلم يرجع عنها ... على العكس؛ قابل تلك النصائح بطريقة بعيدة عن طالب حق، فمرة يتهم الناصحين بانهم عملاء لصدام حسين! ومرة بأنهم"باعوا دينهم للشيطان"! ... الخ، ثم طغى وبغى، وراح يدعو إلى قتل من لم يقتنع بفتواه وعمل بما يمليه عليه واجبه الشرعي من مقاتلة تلك الجيوش الصليبية الغازية، وهو يعلم؛ ان غاية ما تصل إليه فتواه أن تكون مرجوحة، لا دليل صحيح عليها، واختيار من خالفها تدعمه النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ... ولكن"للخيانة أحكام"!
ومن المعلوم لدى كل من شم رائحة العلم الشرعي؛ ان الخلاف في المسائل التي للفقهاء فيها عدة أقوال، لا يمكن أن يصل بحال إلى الدعوة لتكفير أو قتل الطرف المخالف!
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ؛ إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تُنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين؛ تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر؛ فلا إنكار عليه) [مجموع الفتاوى: ج30/ص80] .
ان مثل هذا لا يصدر - خصوصًا في مثل قضيتنا التي تعلق بها مصير أمة بأكملها - إلا عن عميل،"باع دينه للشيطان"!
لذا فمن السذاجة، بل والحماقة؛ اعتبار ما قام به؛ خطأ غير مقصود! فإن المخطئ عن دون قصد؛ إذا بين له الناصحون خطأه، وإذا رأى نتيجة خطأه وما جر على الأمة من ويلات ومصائب، رجع عنه، ثم بعد ذلك وقبله؛ يلتزم الأدب وقواعد الخلاف مع مخالفيه ... أما المصر على خطأه، سابًا من ناصحه، داعيًا لقتل من عمل بمقتضى القول المخالف، فأنى له؟!
وأقول لمن يقر بخطأ الفتوى، ولكنه يرى صاحبها مجتهدًا مأجورًا؛ ما قولك لو أن رجلًا ممن يرى صواب القول بعدم الاستعانة بالمشركين؛ كفر ابن باز وقتله - كما فعل هو مع مخالفيه - أكنت تقول؛ انه مجتهد مأجور؟! ام ان الاجتهاد والأجر خاص بمن عينه الطاغوت مفتيًا؟!
[44] يعني؛"نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار"، وذلك في باب"ما جاء في الاستعانة بالمشركين" [ج7/ص228 - 231] ، وقد خلص الشوكاني رحمه الله بعد مناقشة الأحاديث إلى قوله: ( ... والحاصل أن الظاهر من الأدلة؛ عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركًا مطلقًا) .
[45] د: ج8/ص374 - 394، م: ج3/ص160 - 165، في م؛ هذه التتمة حاشية للشيخ سليمان بن سحمان.