أ) تقديم الشيخ سليمان بن سحمان:
(وله أيضًا قدس الله روحه ونور ضريحه رسالة إلى الشيخ حمد بن عتيق، في شأن الفتنة الواقعة بين آل سعود، وكيف كان أول هذه الفتنة وآخرها، وقد تقدم نظيرها إلى أهل الحوطة، ولكن هذه أبسط.
فصل الشيخ رحمه فيها ما عنده وشرحه، وكأن الشيخ حمد قد كتب إليه بما عنده في ذلك الوقت وأوضحه، وقد حثه فيها رحمه الله على بذل الجد والاجتهاد في تحريض الناس على جهاد أعداء الله ورسوله، الذين قلعوا أصول دين الإسلام، وهدموا قواعده العظام، وطمسوا منه المنار والأعلام، وعطلوا الأحكام الشرعية، وأظهروا القوانيين الإفرنجية.
وهذه وظيفة العلماء قديمًا وحديثًا، يتواصون بالنصح لعباد الله وردهم إليه تحضيضًا وحثًا، وليس من شأنهم السكوت وتمشية الحال على أي حال، كما هي حال من لا غيرة له على دين الله من ائمة الجهل والضلال، الذين يرون أن الكف لهم أسلم وان هذا الرأي أحكم.
وهذا نص الرسالة) [34] .
ب) نص الرسالة:
(بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم حمد بن عتيق سلمه الله تعالى، ونصر به شرعه ودينه، وثبت إيمانه ويقينه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد ...
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، علي حلو نعمه ومر بلواه، وبديع حكمه.
والخط وصل.
وما ذكرت صار معلوما، وكتبت لك خطا أولًا، على نشر النصائح وكتب الرسائل، لأني استعظت ما فعل سعود من خروجه على الأمة وإمامها، يضرب برها وفاجرها - إلا من أطاعه وانتظم في سلكه - [35] .
وعبد الله؛ له بيعة وولاية شرعية في الجملة.
ثم بعد ذلك بدا لي منه؛ أنه كاتب الدولة الكافرة الفاجرة، واستنصرها، واستجلبها على ديار المسلمين، فصار كما قيل:
والمستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
فخاطبته شفاها بالإنكار والبراءة، واغلظت له بالقول؛ إن هذا هدم لأصول الإسلام، وقلع لقواعده، وفيه ... وفيه ... وفيه ... مما لا يحضرني تفصيله الآن.
فأظهر التوبة والندم، وأكثر الاستغفار.
وكتبت على لسانه لوالي بغداد؛"أن الله قد أغنى ويسر، وانقاد لنا من أهل نجد والبوادي، ما يحصل به المقصود - إن شاء الله تعالى - ولا حاجة لنا بعساكر الدولة"، وكلام من هذا الجنس، وأرسل الخط فيما أرى، وتبرأ مما جرى.
فاشتبه عليّ أمره، وتعارضا عندي موجبان؛ إمامته، ومبيح خلعه [36] .
حتى نزل سعود بمن معه من أشرار نجد وفجارها ومنافقيها، فعثى في الأرض بسفك الدماء، وقطع الثمار وإخافة الأرامل والمحصنات، وانتهاك حرمة اليتامى والأيامى.
هذا وأخوه منحصر في شعب الحائر، وقد ظهر عجزه واشتهر، وأهل البلد معهم من الخوف ومحبة المسارعة إليه ما قد عرف.
فرأيت من المتعين على مثلي؛ الأخذ على يد أهل البلاد، والنزول إلى هذا الرجل، والتوثق منه، ودفع صولته، حقنا لدماء المسلمين وصيانة لعوراتهم ونسائهم وحماية لأموالهم وأعراضهم.
وكان لم يعهد لي شيئًا، ولكن الأمر إذا لم يدرك كان الرأي فيه؛ أصوبه وأكمله وأعمه نفعا.
فلما واجهت سعودًا وخاطبته فيما يصلح الحال فيما بينه وبين أخيه، واشترط شروطا ثقالا على أخيه، ولم يتفق الحال، فصارت الهمة فيما يدفع الفتنة ويجمع الكلمة ويلم الشعث ويستدرك البقية، وخشيت من عنوة على البلدة؛ يبقى عارها بعد سفك دمائهم ونهب أموالها والسفاح بنسائها، لما رأيت أسباب ذلك متوفرة، وقد رُفع الإيمان بالله ورسله والدار الآخرة.
وخرج عرفاؤه والمعروفون من رجالها، فبايعوا سعودا بعد ما أعطاهم على دمائهم وأموالهم - محسنهم ومسيئهم - عهد الله وأمانه، عهدا مغلظا، فعند ذلك كتبت إليك الخط الثاني، بما رأيت من ترك التفرق والاختلاف ولزوم الجماعة.
وبعد ذلك؛ أتانا النبأ الفادح الجليل، والخطب الموجع العظيم، الذي طمس أعلام الإسلام، ورفع الشرك بالله وعبادة الأصنام، في تلك البلاد التي كانت بالإسلام ظاهرة، ولأعداء الملة قاهرة، وذلك بوصول عساكر الأتراك، واستيلائهم على الأحساء والقطيف، يقدمهم طاغيتهم داود بن جرجيس [37] ، داعيا إلى الشرك بالله وعبادة إبليس.
فانقادت لهم تلك البلاد، وأنزلوا العساكر بالحصون والقلاع، ودخلوها بغير قتال ولا نزاع، فطاف بهم إخوانهم من المنافقين، وظهر الشرك برب العالمين، وشاعت مسبة أهل التوحيد والدين، وفشا اللواط والمسكر، والخبث المبين.
ولم ينتطح في ذلك شاتان، لما أوحاه وزينه الشيطان من أن القوم أنصار لعبد الله بن فيصل، فقبل هذه الحيلة من آثر الحياة الدنيا وزينتها على الإيمان بالله ورسله وكف النفس عن هلاكها وشقاوتها.
وبعضهم؛ يظن أن هذه الحيلة لها تأثير في الحكم، لأنهم لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.
بل بلغني؛ أن بعض من يدعي طلب العلم يحتج بقول شاذ مطرح، وهو؛ أن لولي الأمر أن يستعين بالمشرك عند الحاجة!
ولم يدر هذا القائل؛ أن هذا القول يحتج قائله بمرسل ضعيف، مدفوع بالأحاديث المرفوعة الصحيحة.
وأن قائله اشترط؛ أن لا يكون للمشركين رأي في أمر المسلمين ولا سلطان، لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} ، فكيف بما هو أعظم من ذلك وأطم من الانسلاخ الكلي والخدمة الظاهرة لأهل الشرك؟!
إذا عرفت هذا؛ عرفت شيئا من جناية الفتن، وأن منها قلع قواعد الإسلام، ومحو أثره بالكلية، وعرفت حينئذ أن هذه الفتنة من أعظم ما طرق أهل نجد في الإسلام، وأنها شبيهة بأول فتنة وقعت فيه.
فالله ... الله ... في الجد والاجتهاد، وبذل الوسع والطاقة في جهاد أعداء الله وأعداء رسله، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} ، إلى أمثال ذلك في القرآن، يعرفها الخبير بهذا الشأن.
هذا ما عندي في هذه الحادثة قد شرحته وبسطته، كما ذكرت لي ما عندك.
وأسأل الله أن يهديني وإياك إلى صراط مستقيم، وأن يمن علينا وعليك بمخالفة أصحاب الجحيم.
والسلام) [38] .
[!] ولد بالزلفي، سنة 1227 ه، ثم رحل إلى الرياض زمن الأمير فيصل بن تركي، وطلب العلم عند الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وتولى قضاء الخرج، ثم الحلوة ثم الأفلاج، وتوفي بها رحمه الله عام 1301 هـ [انظر؛ د: ج16/ص430 - 433، و"مشاهير علماء نجد وغيرهم": ص179 - 180] .
[34] م: ج3/ص273.
[35] وقد افتى أئمة الدعوة بوجوب قتال سعود بن فيصل ومن معه، بسبب خروجه على السلطان الشرعي في حينها - عبد الله بن فيصل -
فهذا العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله يقول - على سبيل المثال: (وسعى سعود في ثلاثة أمور، كلها منكرة؛ نقض البيعة بنفسه، وفارق الجماعة، ودعا الناس إلى نقض بيعة الإمام، فعلى هذا يجب قتاله وقتال من أعانه) [د: ج9/ص13] .
[36] قد يُفهم من قوله: (ومبيح خلعه) ؛ تكفير عبد الله بن فيصل باستعانته بالمشركين على أخيه، خاصة إذا علمنا انه لا يُباح عنده خلع السلطان إلا بالكفر [انظر على سبيل المثال: د: ج9/ص29، م: ج3/ص167 - 168] .
والظاهر أيضًا أن عبد الله بن فيصل أقر على نفسه بالكفر، ثم أعلن توبته.
يقول الشيخ عبد اللطيف في رسالة يشرح فيها بداية الفتنة وما تبعها من أحداث: ( ... لكن بعد أن قدم عبد الله من الأحساء؛ ادعى التوبة والندم، وأكثر من التأسف والتوجع فيما صدر منه، وبايعه البعض، وكتبت إلى ابن عتيق؛ أن الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تهدم ما قبلها) [م: ج3/ص172] .
ووجه تكفيره - والله أعلم - ما ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (لما اختلف الناس بعد مقتل عثمان ... ومعلوم أن كلا من الطائفتين - أهل العراق وأهل الشام - معتقدة أنها على الحق، والأخرى ظالمة، ونبغ من أصحاب علي من أشرك بعلي، وأجمع الصحابة على كفرهم وردتهم، وقتلهم ... أترى أهل الشام؛ لو حملهم مخالفة علي على الاجتماع بهم، والاعتذار عنهم، والمقاتلة معهم لو امتنعوا، أترى أحدا من الصحابة، يشك في كفر من التجأ إليهم؟ ولو أظهر البراءة من اعتقادهم، وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان؟) [د: ج10/ص79 - 80] .
[37] داود بن سليمان بن جرجيس؛ ولد ببغداد وتوفي بها، قضى عمره في محاربة التوحيد - باللسان والسنان - والافتراء على دعاته، ألف في الرد عليه جمعٌ من ائمة الدعوة، وكفروه لدعوته الصريحة إلى الشرك بالله وعبادة المقبورين.
[38] د: ج8/ص391 - 394، م: ج3/ص273 - 276.