الصفحة 1 من 12

فالقلب بين أصابع الرحمن. ... بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأصلى وأسلم على النذير المبين والرحمة المهداة للعالمين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاعلم أيها الطالب للسلامة، الساعي في أسباب تحصيل الفوز والكرامة؛ أنه كان يبلغنا ويرفع إلينا منذ زمن عن رجل من منطقة الرياض من أهالي السويدي، يقال له عبد العزيز بن ريس الريس، وأنه تصدى لجمع الشبه من أماكنها وتتبعها من مظانها، فصار يبدي من الشبهات والترهات ما يُمج سماعه ولا يروج إلا على من هو من أمثاله، ويكفي الناقد في رده نظره واطلاعه ويظهر بطلانه ببدائه العقول، ولا يتوقف الحكم بفساده على نظر في المعقول والمنقول.

وقد ُرفع إلي ثلاث رسائل وبعض أجوبة كتبها بيده الأولى بعنوان: (مهمات ومسائل متفرقات"، والثانية: (الرد الأول"، والثالثة: (الرد الثاني"، وفيها من تحريف الكلم عن مواضعه والكذب على أهل العلم وعدم الفقه فيما ينقله ويحكيه من كلامهم ما لا يحصيه إلا الله."

ورأيته قد زاد على من قبله من المعارضين بزيادات وضلالات تليق بتلك الفهوم والقلوب المقفلات، {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} .

والمؤمن إذا وقف على كلام هذا الرجل؛ عرف قدر ما هو فيه من نعمة الإسلام، وما اختص به من حلل الإيمان والإكرام، فازداد تعظيمًا لربه وتمجيدًا وإخلاصًا في معاملته وتوحيدًا.

لو شاء ربك كنت أيضًا مثلهم

لأصبح مثقال الحجر بعدله ذهب [1] ... وقد عنَّ لي أولًا؛ أن أضرب عنها صفحًا وأطوي عن جوابها كشحًا، فأطرح هذر كلامه ولا أعرج على رد إفكه وآثامه، لظهور هجنته في نفسه، وأنه مما يتنزه العاقل عن إفكه وحدسه، ومجرد حكايته يكفي في بيان بطلانه، وأن في ذلك تحقيرًا لشانه.

ثم بدا لي أن لكل ساقطة لاقطة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما قال أبو سفيان يوم أحد: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر؟ أفيكم ابن الخطاب؟: (لا تجيبوه) ، تهاونًا به وتحقيرًا لشأنه، فلما قال: أعلُ هُبل، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قولوا: الله أعلى وأجلّ) ، ولما قال: لنا العزى ولا عُزى لكم، قال لهم: (قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) .

والبلاغة - كما قيل - مطابقة الكلام لمقتضى الحال.

فوجدت فيما أبداه من المخالفات الكثيرة والورطات العظيمة القبيحة لما فيها من التحريفات الجريئة الصريحة لاعتقاد أهل السنة والجماعة، وقد تضمنت لأمور من الباطل لا يسع مسلمًا السكوت عليها، خشية أن يفتن بها بعض الجاهلين، فيعتمد عليها، وقد مضت سنة الله في خلقه أن كل عصر لا يخلو من قائل بلا علم ومتكلم بغير إصابة ولا فهم، مصداقًا لقوله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا * ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون} .

ولكن في الزوايا خبايا وللرجال بقايا، وقد جعل الله في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم.

كما قال الإمام أحمد رحمه الله في كتاب"الرد على الجهمية": (الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرون بدين الله أهل العمى، ويحيون بكتاب الله الموتى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وتائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم) .

وقد عنَّ لي الجواب لتمييز الخطأ من الصواب، رجاء أن يكون ذلك سببًا موصلًا إلى رضوان الله، وليستبصر طالب الهدى من عباد الله، وذلك بتوفيق الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله الذي لا إله إلا هو ولا ربّ سواه.

فقد كنت عزمت على أن أتتبع كلامه وأجيب عنه تفصيلًا، ثم إنه عرض لي ما يجب أن يكون هو المقصود بالذات حماية لجانب التوحيد وصيانة للشريعة، ثم بدا لي أن أقتصر في جواب الرجل لما في الاقتصار من رعاية الصبر والاصطبار، وما لا يدرك كله لا يترك كله، فأحببت التنبيه على أهم ما فيها من تلك المخالفات وأعظم المجازفات، لأنا لو أجبناه بكل ما يليق في الجواب لم نسلم من أمثاله ممن نسج على منواله، كما هو الواقع من أكثر البشر قديمًا وحديثًا مع كل من قام بالحق ونطق بالصدق، فكل من كان أقوم في دين الله كان أذى الناس إليه أسرع والعداوة له أشد وأفظع.

ولو أن كل كلب نبح ألقمته حجرًا

فعاد حسيرًا خائبًا نائلًا شرا ... فالحمد لله، قد كُفينا مؤونة الرد على هذا المفتون، إذ الواجب علينا الإتباع وترك الإبتداع، فما من مسألة إلا وقد ُتكلم فيها، وما علينا إلا أن ننقل الكلام من مضانه، والفضل في ذلك للمتقدم بعد الله، فالحق قديم، وكتاب الله واضح حتى عند العامي البليد، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين، فما على الإنسان إلا أن يطلب الحق ويلتمس الدليل.

قال الشيخ سليمان بن سحمان:

وكم من أخا جهلً رمانا بجهله

نصول على الأعداء فنأطرهم أطرا ... بمحكم آيات وسنة أحمد

فمن تلك المجازفات التي سطرها بخطه وسود بها صحائفه:

-أن من قتل نبيًا أو أهان المصحف لا يكفر إلا بعد ثبوت الشروط، وانتفاء الموانع.

-وأيضًا؛ سوء أدبه مع أبينا آدم عليه السلام، حيث جعل ظاهر فعله الكفر، لولا ما أبان عما في باطنه، مع أن كليهما - أي آدم عليه السلام وإبليس اللعين - عصى الله، وفَِعْلُ كل منهما يُتصور أن يأتي على وجه كفري ووجه غير كفري.

-وأن من طعن في النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه بالرياء والظلم والجور في القسمة ومحاباة قرابته؛ لا يكفر إلا بعد ثبوت الشروط وانتفاء الموانع - كما يزعم -

وأيضًا؛ أن قول الرجل: (أن كان إبن عمتك"، وقول الآخر: (إعدل يا محمد"، ليس من السب الذي يكفر صاحبه، وتشبيه قول أمهات المؤمنين بأقوال المنافقين، مع أن القائل طاعن في حكم النبي صلى الله عليه وسلم وراميا له بالجور والمحاباة والظلم، وبيان وهمه على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

-وأيضًا؛ نفيه وجود نص شرعي في تكفير من سجد للأصنام والأوثان والشمس والصلبان، إن لم يرد الساجد التقرب إليها، وأنها من الأمور المحتملة.

ثم عاد فناقض نفسه بنفسه، فقال: (إن الإجماعات المحكية، ما بين أمرين: إما أنها إجماعات منقوضة مخرومة، أو محمولة على السجود له على وجه الاستحقاق الذي يلزم منه تقرب القلب للوثن) .

وجعله الإجماعات المحكية في كفر من سجد للأوثان والأصنام وغيرها؛ منقوضة ومخرومة أو محمولة على السجود بنية التقرب القلبي، وأن هذا لا يعارض مذهب أهل السنة - كما زعم -

وأن السجود للصنم والوثن من"عابده"- هكذا قال كما سيأتي نص كلامه - على غير وجه التقرب؛ لا ينافي الكفر بالطاغوت.

وأيضا زعم أن من سجد للأصنام وطاف بالأوثان وتمسح بالصلبان إذا اعتقد بطلان عبادتها يكون ممن كفر بما يعبد من دون الله مع المخالفة الظاهرة في الأعمال ولواعترف بلسانه وقال: عبدتُ غير الله - لا يحكم على باطنه بالكفر وإذا علم أنه كأن كاذبًا في قوله: (عَبدتُ غير الله"يتراجع عن تكفيره. وأن منزع التكفيروعلته في الساجد للصنم والوثن هي نية التقرب بالقلب وقصد العبادة للمسجود له دون الفعل الظاهر."

-وأيضًا؛ ادعاءه عدم التلازم بين الظاهر والباطن، إذا كان الساجد للأصنام والصلبان لا يريد التقرب القلبي لها، وإنما يريد المال أو أمرًا دنيويًا؛ فلا يكفر بذلك.

-وكذلك من سجد للأصنام وطاف بالأوثان أو سجد لإنسان وذبح للبوذا وتمسح بالصلبان وهو يعتقد ذمها ولم يقصد تعظيمها بقلبه، لا يكفر حتى يقصد ذلك بقلبه، أو فعل ذلك لأمر دنيوي - كالرياسة والجاه والمال - أو فعل ذلك مداهنةً لقومه وخوف الملامة والعيب، أو خوفًا من الكفار، وعنده؛ ولو أن قريشًا فعلت ذلك أن رسول صلى الله عليه وسلم لا يكفرهم ويقبل منهم، مع كونهم آثمين، أو قال:(عبدتُ غير الله كاذبًا": من غير إكراه؛ لا يكفر، ويبقى مسلمًا موحدًا."

وسيأتي التنبيه على كل مسألة من هذه المسائل على حدة إن شاء الله تعالى.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وهذا أوان الشروع في المقصود فالله المسؤل أن يعيننا على حصول المطلوب.

فنقول سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ...

1)مقتبس من كلام بعض أئمة الدعوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت