فصل؛ في نقض قوله:"أن من سجد للأصنام، لأجل أمر دنيوي لا يكفر"
فصل؛ في نقض قوله:"أن من سجد للأصنام وطاف بالأوثان وذبح للبوذة وتمسح بالصلبان، لأجل أمر دنيوي - كالرياسة والجاه والمال - أو فعل ذلك مداهنةً لقومه وخوف الملامة والعيب، أو خوفًا من الكفار، أو قال عبدتُ غير الله كاذبا من غير إكراه؛ لا يكفر:"
قال في"الرد الأول" [ص: 17] : (إذ الساجد للصليب والأوثان من غير أي دافع - كالمال ونحوه وإكراه - هو سجود له، وفي مثل هذه الحالة لا يمكن أن يكون إلا لتعظيم قلبه للمسجود، وإلا لماذا سجد له؟ إذ لا أحد يفعل فعلًا إلا لدافع، فإن خلت الدوافع الدنيوية - من جلب نفع أو دفع ضر - فلم تبق إلا الدوافع التعبدية - كالتعظيم لها ونحو ذلك - وقد سبق نحو هذا الكلام، وأن في مثل هذا يكون التلازم بين السجود والتقرب بالقلب، لأجل هذا دخله الإكراه) .
وقال في [ص: 18] : (الثاني؛ السجود الشركي، وهذا على حالتين: 1/ السجود التعبدي لغير الله وهذا كفر، 2/ السجود للأوثان والصليب بدون أي دافع من مال ونحوه أو احترام في حق الصالحين والعلماء أو إكراه، وهو السجود له لا إليه، فهذا كفر إذ يلزم منه تعظيم هذا المسجود له وإلا لم سجد له؟ إذ لا أحد يفعل فعلًا إلا لدافع، أما إذا خلت الدوافع فلم يبق إلا تعظيمه التعظيم التعبدي، وفي مثل هذا السجود قرر التلازم في الكفر بين الباطن والظاهر، وفي مثله يتصور الإكراه، 3/ السجود المحرم - ما عدا الشركي والبدعي - كالسجود للأوثان أو غيرها على غير نية التقرب، لدافع من الدوافع الدنيوية كالمال ونحوه، وهو السجود إليه لا له) .
وقال في"الرد الأول" [ص: 42] رآدا ًعلى قول من قال: (ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا قومه للإسلام وأقروا له بما جاء به، لكنهم مداهنةً لقومهم وخوفًا من الملامة والعيب يسجدون طوعًا لأوثان قريش، ويذبحون لها، ويطوفون بها ويظهرون تعظيمها ولا يصرحون بالبراءة منها، فهل كان يقبل منهم هذا، وهل يجوز أن يكون أمثال هؤلاء مؤمنون في الباطن؟) .
فأجاب بقوله: (وجواب هذا ما يلي: أن هذا استدلال بمورد النزاع، فهو مبني على نتيجة هذا البحث، فعندك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفرهم ولا يقبل منهم، وعندي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكفرهم ويقبل منهم، مع كونهم آثمين) .
وقال في مذكرة له بعنوان"الرد الثاني" [ص: 50] : (فمثل هذا يقول: أيها الناس أنا لم أسجد له ولا أراه يستحق شيئا من التعظيم، وإنما سجدت من أجل المال، ودليل ذلك أنه لولا المال لما سجدتُ، بل لو خلوتُ به لحطمته، وأنا وإن َتعمدتُ السجودَ لكن لم أقصده للصنم، وإنما غاية الأمر أنني لما طمعت في المال سجدتُ إلى جهته لا له، وان ظن صاحب المال أنني ساجد له، فظنه شيء والواقع شيء آخر، فلماذا تلحون على أن سجودي له لا إليه ... ) .
وقال في"الرد الثاني" [ص: 52] : (فالخلاصة المعتصرة؛ أن الساجد إلى الصنم لأجل المال، ويدور معه حيث دار، ولولا المال لما فعل ساجد إليه لا له، وأرجو ألا تعود وتقول:"بلى، يكفر، لأن من استهزأ من أجل المال فهو كافر"، إذ أقول لك: لا أسلم البته أن من حاله كهذا يكون كالمستهزئ بالدين، إذ المستهزئ وقع في أمر محكوم بكفره بدليل، فهو مضاد للإيمان من كل وجه، ولا دليل معك مستقيم يحكم بكفر من فعل مثل هذا الفعل ويجعله مضادًا للإيمان من كل وجه) .
وقال في"الرد الثاني" [ص: 71] : (إن الساجد إلى الصنم لا لذاته؛ يستوي ظاهرًا في صورته مع الساجد للصنم على وجه الاستحقاق، فلو أن رجلا سجد إلى صنم أمامه، وقال - كذبًا: سجودي هذا له لا إليه، وواقع حاله الذي لا يعلمه إلا الله أنه ساجد إليه لا له، فنحن بناءً على قوله الذي قاله نكفره، وإن كان كاذبًا، لأنه ليس لنا إلا ما أظهر والسرائر أمرها إلى الله، فهو - في الواقع - لم يفعل الكفر، وذلك مثل: أن يقول رجل - كاذبًا: عبدتُ غير الله، فمثل هذا نكفره، لأنه ليس لنا إلا الظاهر، وإن كان واقع حاله غير كافر، إذ لم يفعل ذلك، بل كان كاذبًا، فمثل هذا لا نحكم على كفر باطنه، لا لكونه فعل الكفر بل لكونه كاذبًا في فعل الكفر) .
وقال في"الرد الثاني" [ص: 78] : (فلو أن رجلًا سجد أمام صنم، وواقع حاله أنه ساجد له لا إليه؛ لكفرته، لأنه ليس لي إلا الظاهر، لكن لو تبين لي أنه كاذب؛ تراجعت عن تكفيره) .
وقال في"الرد الثاني" [ص: 98] فيمن: (تعمد السجود للصنم من أجل المال، ولولا المال لما فعل، لما في قلبه من اعتقاد ذمه، وأنه لو استطاع تحطيمه؛ لحطمه) .
فالجواب على كل ما تقدم؛
قد كفاناه الإمام محمد بن عبد الوهاب وحفيده الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهم الله، وهو عين جوابنا عن هذه المسألة، في كلام لهما على قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} .
قال الإمام محمد رحمه الله: (لم يعذر الله إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواءً فعل خوفًا أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعل على وجه المزاح، أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره) [كشف الشبهات] .
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله: (الدليل الرابع عشر قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه ... الآية} ، فحكم تعالى حكمًا لا يبدل؛ أن من رجع من دينه إلى الكفر فهو كافر، سواءً كان له عذر خوفًا على نفسٍ أو مالٍ أو أهلٍ أم لا، وسواءً كفر بباطنه أم بظاهره دون باطنه، وسواءً كفر بفعاله أو مقاله أو بأحدهما دون الآخر، وسواءً كان طامعًا في دنيا ينالها من المشركين أم لا، فهو كافر على كل حال، إلا المكره - وهو في لغتنا المغصوب - فإذا أكره الإنسان على الكفر وقيل له اكفر وإلا قتلناك أو ضربناك، أو أخذه المشركون فضربوه، ولم يمكنه التخلص إلا بموافقتهم؛ جاز له موافقتهم في الظاهر، بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان - أي ثابتا معتقدا له - وأما إن وافقهم بقلبه؛ فهو كافر، ولو كان مكرها) [حكم موالاة أهل الإشراك] .
والعلماء لم يغفلوا هذا الباب بل بسطوا الكلام فيه بما يشفي ويكفي، لأن الأمر واقع لا محالة، فلا تزال الأحداث في الأمة تجري في كل عصر ومصر من زمن النبي إلى قيام الساعة، وقد عقد الفقهاء من كل مذهب بابًا مستقلا وأسموه"باب حكم المرتد"، وبحثه في أهل القبلة ممن يصدر منه ما يوجب الكفر والردة من الأقوال والأفعال والاعتقادات، أخذًا بكتاب الله وعملا بسنة رسوله، وقد تقدم نقل الإجماع الذي حكاه الشيخ عبد اللطيف وأبا بطين والصنعاني وغيرهم، وأيضًا موافقة الكافرين في الظاهر لا تخرج عما ذكره العلماء.
ولنتبع ذلك بما ذكره حمد بن عتيق، قال رحمه الله:(المسألة الثالثة: وهي ما يعذر الرجل به على موافقة المشركين وإظهار الطاعة لهم، فاعلم أن اظهار الموافقة للمشركين له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يوافقهم في الظاهر والباطن، فينقاد لهم بظاهره ويميل إليهم ويوادهم بباطنه، فهذا كافر خارج من الإسلام، سواءً كان مكرهًا على ذلك أو لم يكن مكرهًا، وهو ممن قال الله تعالى فيه: {ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} .
الحالة الثانية: أن يوافقهم أو يميل إليهم مع مخالفتهم في الظاهر، فهذا كافر أيضًا، إذا عمل بالإسلام ظاهرًا عصم ماله ودمه، وهو المنافق.
الحالة الثالثة: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو من وجهين:
أحدهما: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم له، ويتهددونه بالقتل فيقولون له: إما أن توافقنا وتظهر الانقياد لنا وإلا قتلناك، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئنًا، كما جرى لعمار رضي الله عنه حين أنزل الله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ، وكما قال تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} . فالآيتان دلّتا على الحكم كما نبه على ذلك ابن كثير في تفسير آية آل عمران.
الوجه الثاني: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحة في وطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال، فإنه في هذه الحالة يكون مرتدًا، لا تنفعه كراهته لهم في الباطن، وهو ممن قال الله فيهم: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} ، فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل أو بغضهم للدين ولا محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظًا من حظوظ الدنيا فآثروه على الدين، هذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله) [سبيل النجاة والفكاك] .
وأيضًا ما ذكره العلامة سليمان بن سحمان قال رحمه الله: (هذه كلمات في بيان الطاغوت ووجوب اجتنابه) ، وذكر المقام الثاني فقال:(أن يقال إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر، فقد ذكر الله في كتابه أن الكفر أكبر من القتل، قال: {والفتنة أكبر من القتل} ، وقال: {والفتنة أشدّ من القتل} ، والفتنة: هي الكفر، فلو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يذهبوا لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتًا يحكم بخلاف شريعة الإسلام، التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم.
المقام الثالث: أن تقول: إذا كان هذا التحاكم كفرًا، والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك؟ فإنه لا يؤمن الإنسان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك مضطر وخيرك بين أن تتحاكم إلى الطاغوت، أو تبذل دنياك؛ لوجب عليك البذل، ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت، والله أعلم) [الدررالسنية: 10/ 502] .
ومن المعلوم أن الردة لا تكون إلا بسبب رغبة أو رهبة أو نحو ذلك من الأغراض، وجماع ذلك شيئينٍ هما الشهوة والشبهة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الانتقال عن الدين لا يقع إلا عن شبهة قادحة في القلب أو شهوة قامعة للعقل) [الصارم: 347] .
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: (من تعمد الكذب عليه - أي الرسول صلى الله عليه وسلم - فإنه إنما يقصد تحصيل غرضٍله إن لم يقصد الاستهزاء به، والأغراض في الغالب إما مالٌ أو شرف كما أن المسئ إنما يقصد - إذا لم يقصد مجرد الإضلال - إما الرياسة بنفاذ الأمر وحصول التعظيم، أو تحصيل الشهوات الظاهرة، وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفرٌ؛ كفرَ، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا, إذ لا يقصد الكفر أحدٌ إلا ما شاء الله) [الصارم: 204] .
وقال أيضًا رحمه الله: (أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه؛ فهو من المنافقين وليس بمؤمن، وأن المؤمن هو الذي يقول:"سمعنا وأطعنا"، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره، مع أن هذا تركٌ محض وقد يكون سببه قوة الشهوة) [الصارم: 69] .
وقال الشيخ سعد رحمه الله: (فصل: الذبح للجن يفعله كثير من أهل الجهل والضلال في البوادي والبلدان، إذا مرض الشخص أو أصابه جنون أو داء مزمن ذبحوا عنده كبشًا أو غيره، وكثير منهم يصرحون: بأنهم ذبحوا للجن ويزعمون أن الجن أصابته بسبب حدث منه، فيذبحون عنده ذبيحة للجن، يقصدون تخليصه مما أصابه من ذلك الداء) [الدرر السنية: 10/ 460]
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (لو نقدر أن السلطان ظلم أهل المغرب ظلمًا عظيمًا في أموالهم وبلادهم، ومع هذا خافوا استيلاءهم على بلادهم ظلمًا وعدوانًا، ورأوا أنهم لا يدفعونهم إلا باستنجاد الفرنج، وعلموا أن الفرنج لا يوافقونهم إلا أن يقولوا نحن معكم على دينكم ودنياكم، ودينكم هو الحق ودين السلطان هو الباطل، وتظاهروا بذلك ليلًا ونهارًا، مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج ولم يتركوا الإسلام بالفعل، لكن لما تظاهروا بما ذكرنا ومرادهم دفع الظلم عنهم؛ هل يشك أحد أنهم مرتدون في أكبر ما يكون من الكفر والردة، إذا صرحوا أن دين السلطان هو الباطل مع علمهم أنه حق، وصرحوا أن دين الفرنج هو الصواب، وأنه لا يتصور أنهم لا يتيهون لأنهم أكثر من المسلمين، ولان الله أعطاهم من الدنيا شيئًا كثيرًا، ولا نهم أهل الزهد والرهبانية، فتأمل هذا تأملًا جيدًا، وتأمل ما صدرتم به الأوراق من موافقتهم فيما ينقض به الإسلام ومعرفتكم بالناقض، فإذا تحققتموه، وأنه يكون بكلمة ولو لم تعتقد، ويكون بفعل ولو لم يتكلم، ويكون في القلب من الحب والبغض ولو لم يتكلم ولم يعمل؛ تبين لك الأمر) [الدررالسنية: 10/ 116 - 117] .
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (ولكن أود أن تفكر فيما تعلم لما اختلف الناس بعد مقتل عثمان وبإجماع أهل العلم: أنهم لا يقال فيهم إلا الحسنى، مع أنهم عثوا في دمائهم، ومعلوم أن كلًا من الطائفتين أهل العراق وأهل الشام معتقدة أنها على الحق والأخرى ظالمة، ونبغ من أصحاب علي من أشرك بعلي، وأجمع الصحابة على كفرهم وردتهم وقتلهم، لكن حرقهم علي وابن عباس يرى قتلهم بالسيف، أترى أهل الشام لو حملهم مخالفة علي على الاجتماع بهم والاعتذار عنهم والمقاتلة معهم لو امتنعوا، أترى أحدًا من الصحابة يشك في كفر من التجأ إليهم؟ ولو أظهر البراءة من اعتقادهم وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتله عثمان؟ فتفكر في هذه القضية فإنها لا تبقى شبهة إلا على من أراد الله فتنته) [الدرر السنية: 10/ 79] .
وقال رحمه الله: (وأنت يا مَن مَنّ الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إلهٍ إلا الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين ولا أقول فيهم شيئًا، لا تظن: أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل لابد من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم والذين معه: {إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدً حتى تؤمنوا بالله وحده} ، وقال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ... الآية} ، وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، ولو يقول رجل: أنا اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الحق، لكن: لا أتعرض اللات والعزى، ولا أتعرض أبا جهل وأمثاله، ما علي منهم، لم يصح إسلامه) [الدرر السنية: 2/ 109] .
وقال في موضعٍ آخر: (فما الذي فرق بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش؟ هل هو عند الممالك والرياسة والتطاول أو عند لا إله إلا الله محمد رسول الله فتفرقوا عند ذلك، وقالوا: {أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب} ، أتظن أن قريشًا لو يعلمون أن هذا الكلام مجرد قول بلا عمل، وأنهم يقولون لا إله إلا الله وينشأون على دينهم ولا يضرهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يرضى منهم بذلك وأنه لا يحاربهم ولا يكفرهم ولا يقاتلهم، أتراهم يتركون التلفظ بلا إله إلا الله كما هو اعتقادكم، أو دين الإسلام لفظ لا إله إلا الله وأن من قالها فهو المسلم، وتأثرون عليها حديث جبريل وحديث:"بني الإسلام على خمسة أركان") [الدرر السنية: 10/ 106] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في أثناء رده على من قال: (أن من تكلم بالتكذيب والجحد وسائر أنواع الكفر من غير إكراه على ذلك، فإنه يجوز أن يكون مع ذلك في نفس الأمر مؤمنًا، ومن جوّز هذا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ... فمن قال كلمة الكفر من غير حاجة عامدًا لها عالمًا بأنها كلمة كفر؛ فإنه يكفر بذلك ظاهرًا وباطنًا، ولأنا نجوز - هكذا جاء في المطبوع ولعله"ولا نجوز"- أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام، قال سبحانه وتعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ عظيم} ، معلوم أنه لم يرد هنا بالكفر اعتقاد القلب فقط، لأن ذلك لا يكره الرجل عليه، وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال واعتقد، لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد والقول، وإنما يكره على القول فقط، فَعُلِم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضبٌ من الله وله عذاب عظيم، وإنه كافرٌ بذلك، إلا من أكره وهو مطمئن ٌ بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرًا من المكرهين فإنه كافر أيضًا, فصار من تكلم بالكفر كافرًا إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئنٌ بالإيمان) [الصارم: 500] .
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (اعلموا: أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله، أو صار مع المشركين على الموحدين ولو لم يشرك؛ أكثر من أن تحصر من كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم كلهم، وأنا أذكر لكم آية من الكتاب أجمع أهل العلم على تفسيرها وأنها في المسلمين وأن من فعل ذلك فهو كافر في أي زمان كان، قال تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ... إلى آخر الآية} ، وفيها: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة} ، فإذا كان العلماء ذكروا: أنها نزلت في الصحابة لما فتنهم أهل مكة، وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله، لكن خوفًا منهم؛ أنه كافر بعد إيمانه، فكيف بالموحد في زماننا إذا تكلم في البصرة أو الأحساء أو مكة أو غير ذلك خوفًا منهم، لكن قبل الإكراه) [الدرر السنية: 10/ 8] .
وقال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر نواقض الإسلام العشرة المجمع على كفر من فعل أحدها: (ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد، والخائف إلا المكره) .
فتحصل من جميع ما تقدم؛ أن الله لم يعذر من قال أو فعل كفرًا ظاهرًا لأي سبب أو دافع كان، إلا المكره، بنص القرآن والإجماع وكلام العلماء رحمهم الله.
وبعد هذا يظهر عظم خطأ صاحب هذه الورقات، ويتضح مخالفته للإجماع ولنصوص السنة والقرآن في غير موضع كما مرّ بنا، وكذلك ما ستقف عليه أيها المحب أثناء الرسالة وفيما ذكر من الأدلة وكلام العلماء؛ قرة عين للموحدين، وشفاء لما في الصدور من كل شك وريب، كما لا يخفى على الناقد البصير إذا سلم من الأغراض وكان ممن يطلب الحق بدليله وعافاه الله من التعصب والهوى.