الصفحة 2 من 12

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى وسلام ٌ على عباده الذين اصطفى.

فصل؛ في بيان فحش غلطه وبطلان قوله: (أن قاتل النبي أو من أهان المصحف لا يكفر، إلا بعد ثبوت الشروط وانتفاء الموانع) .

قال في"مهمات ومسائل متفرقات وتنبيهات متممات تتعلق بالتكفير: 1": (المسألة الأولى؛ أن المهمات والضروريات التفريق بين الأعمال الظاهرة التي لا تحتمل إلا الكفر الأكبر - تضاد الإيمان من كل وجه - كقتل النبي وإهانة المصحف ونحو ذلك، والأعمال التي تحتمل الكفر وغيره - تضاد الإيمان من كل وجه - فإن النوع الأول يكفر صاحبه مطلقًا، إذا توفرت في حقه الشروط وانتفت الموانع) .

الجواب:

لا يخفى ما في هذا الكلام من الخطأ الفاحش والغلط الواضح الذي تنفر منه الطبائع والنفوس، وتقشعر منه الجلود، حيث جعل صاحب الرسالة؛ أن قتل النبي وإهانة المصحف متوقفٌ التكفير فيهما على ثبوت الشروط وانتفاء الموانع، فلا أدري أي مانع يمنع من تكفير قاتل النبي، وأي شرط يُحتاج إلى ثبوته في ذلك.

وما نقله هنا مقتبس بعضه من"كتاب الصلاة"لابن القيم رحمه الله تعالى، ولكنه أضاف عبارة وهي قوله: (فإن النوع الأول يكفر صاحبه مطلقًا إذا توفرت في حقه الشروط وانتفت الموانع) .

وابن القيم رحمه الله أطلق ولم يقيد تكفير من قتل نبيًا أو أهان المصحف بثبوت شرط أو انتفاء مانع، لا كما زعم مورد هذا الكلام، الذي ليس له حظ من الحق والصواب إلا المعاندة والشققاق.

ولنورد نص كلامه رحمه الله قال ابن القيمّ: (الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود: أنه يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند اللّه جحودًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان) [كتاب الصلاة: 53] .

فأين ذكر الشروط والموانع ولو بالإشارة إليها من قريب أو بعيد في كلامه رحمه الله، وأهل العلم لم يستثنوا فيمن قال أو فعل كفرًا إلا المكره بشرط طمئنينة القلب، ولو كان هنالك ثمة عذر أو مانعٍ لذكروه، ولم يغفلوا أمره لعظم شأنه وكثرة الوقوع فيه.

وما ذكره ابن القيم؛ أمرٌ مجمعٌ عليه بين أهل الملل من اليهود والنصارى وغيرهم ممن يقرون بأصل النبوات، والإجماع فيه ضروري، لما في ذلك من الاستخفاف والإهانة والإذلال والامتهان.

وفي ذلك ويقول ابن تيمية: (إن الانقياد إجلال وإكرام والاستخفاف إهانة وإذلال، وهذان ضدان، فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر، فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به - الرسول صلى الله عليه وسلم - ينافي الإيمان منافاة الضد للضد) [الصارم المسلول: 499، تحقيق خالد العلمي] .

فكلام الشيخ فيمن صدق الرسول ولم ينقد له ويطيعه فكيف بمن قتله.

بل من همّ بقتل نبيّ من الأنبياء كفر وحلّ دمه، كما جاء عن الضحاك في سبب نزول قوله تعالى؛ {وهموا بما لم ينالوا} : (أن نفرًا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة تبوك في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلًا، ففيهم نزلت هذه الآية) .

قال ابن كثير في تفسيره: (وهذا بيّن فيما رواه الحافظ البيهقي في كتاب"دلائل النبوة"من حديث محمد بن سحق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ... الحديث، وفيه:"هل عرفتم هؤلاء القوم"، قلنا:"لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب"، قال:"هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟"، قلنا: لا، قال:"أرادوا أن يزاحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة فيلقوه منها"، قلنا: يا رسول الله أفلا نبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال:"لا، أكره أن يتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقومٍ حتى أظهره الله بهم، أقبل عليهم يقتلهم ... الحديث") .

ويقول القاضي عياض: (اعلم أن من استخف بالقرآن، أو المصحف أو بشيء منه ... فهو كافرٌ عند أهل العلم بالإجماع) [الشفا: 2/ 1101 - 2/ 1076] .

وقال الإمام إسحاق بن راهويه: (أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئًا مما أنزل الله عز وجل أو قتل نبيًا من أنبياء الله عز وجل أنه كافر ٌ بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله) [الصارم: 32 - 33]

والأمر أشد من ذلك وأفظع، لأن العلماء لم يتكلموا في كفر القاتل، لأنّ ذلك أمرٌ مسلمٌ فيه مفروغ منه، ويعدونه من بديهيات الدين والعقيدة، وهذا مما لا يخفى على العامي البليد، فضلًا عن أهل العلم والتحقيق، وإنما بحثوا كفر من توقف أو شك في كفره بل وعذابه.

كما قال محمد بن سحنون القيرواني: (أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم والمتنقص له كافرٌ، والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر) [الصارم: 32 - 33] .

فقف هنا أيها الطالب للهدى والرشاد، وتأمل ما في هذا الكلام تارةً بعد تارة، واسأل الله أن يعيذك مما وقع فيه هذا المسكين الذي يلقي بالكلام ولا يدري أنه مؤاخذ بما يقول وعليه مسؤول، وهذا من القول على الله بلا علم ولا هدىًّ ولا كتاب ٌمنير، قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علمٌ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} .

وقال إسحاق بن راهويه: (ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن باللّه تعالى، ومما جاء من عنده، ثم قتل نبيًا، أو أعان على قتله ويقول قتل الأنبياء محرم، فهو كافر) [تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي: 2/ 930] .

فإذا كان من أعان القاتل؛ يكفر، فكيف بمن قتله؟!

وقد تكون الإعانة بالدعاء عليه.

قال شيخ الإسلام ابن تيْميَة: ( ... الدعاء أذَى للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وسَبُّ له، ولو قاله المسلم لصار به مرتدًا، لأنه دُعاء على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حياته بأنه يموت) [الصارم: 245] .

وأيضًا لا يخفى ما في قصة بلعام، وأنه دعا على موسى موافقةً لقومه، وسبب نزول الأيآت [175 - 176] في شأنه من سورة الأعراف، ونصوص الكتاب طافحة بذلك لكل من قرأ الكتاب وآمن به وصدق خبره واتبع أمره ونهيه كقوله تعالى: {إن الذين يكفرون بأيآت الله ويقتلون النبيين بغير حق ... } ، إلى قوله: {أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين} ، وقوله تعالى: {وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق} .

وفي الحديث الصحيح: (شر الناس من قتل نبيا أو قتله نبي) .

فالأمر واضح جدًا ولا يحتاج إلى دليلٍ أو تعليل، ولا يقال إن هذا من قبل الفرضيات، وضرب المثال، كأن يقول: من قتل نبيًا بالخطأ أو أهان المصحف وهو لا يعلم أنه مصحف! إذ لا مجال لذلك.

فافهم هداك الله وانتبه لسر المسألة، إذ الكلام في الأمور القطعية لا الظنية والمحتملة أو المُتَوَهمة، وهذا أصله الذي يرجع إليه ويعول عليه - كما سيأتي بيانه إن شاء الله أثناء الرد - وخصوصًا قتل النبي؛ لا يجوز حتى في حال الإكراه، بل هو كفر، إذ في حق غيره محرم لا يجوز وكبيرة من كبائر الذنوب كما هو مقرر، ومستقرٌ عند أهل العلم والأثر، فكيف بقتل الأنبياء والرسل.

ثم يقال؛ من الذي ذكر من أهل العلم أن قاتل النبي لا يكفر حتى تثبت الشروط وتنتفي الموانع؟! وفي أيّ كتابٍ وجدت ذلك؟! {قل هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قتل النبي أعظم أنواع المحاربة والسعي في الأرض فسادًا ... وإذا كان من قاتل على خلاف أمره محاربًا ساعيًا في الأرض فسادًا، فمن قاتله أو قتله فهو أعظم محاربة وأشد سعيًا في الأرض فسادًا، وهو من أكبر أنواع الكفر ونقض العهد، وإن زعم أنه لم يقتله مستحلًا، كما ذكره إسحاق بن راهويه؛ من أن هذا إجماع من المسلمين، وهو ظاهر ... فإن أعظم الذنوب الكفر، وبعده قتل النفس، وهذا أقبح الكفر، وقتل أعظم النفوس قدرًا ... وأقبح بهذا من قول ما أنكره وأبشعه! وإنه ليقشعر منه الجلد أن تطل دماء الأنبياء في موضع تثأر فيه دماء غيرهم، وقد جعل الله عامة ما أصاب بني إسرائيل من الذلة والمسكنة والغضب حتى سفك منهم من الدماء ما شاء الله ونهبت الأموال وزال الملك عنهم وسبيت الذرية، وصاروا تحت أيدي غيرهم إلى يوم القيامة؛ إنما هو بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق، وكل من قتل نبيًا فهذا حاله ... وكذلك كان قتل النبي كفرًا باتفاق العلماء، فالمرتد: كل من أتى بعد الإسلام من القول أو العمل بما يناقض الإسلام بحيث لا يجتمع معه) [الصارم المسلول: 446 - 450] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت