فصل؛ في بيان فساد قوله: أن الساجد للصنم والوثن والبوذا والشمس والمتمسح بالصلبان؛ لا يكفر، إلا إذا نوى بقلبه عبادتها وقصد التقرب لها، وأن ذلك هو منزع التكفير وعلته، وأن ذلك لا ينافي الكفر بالطاغوت:
قال في السجود للصنم والوثن: (إن قدر أن أحدًا سجد له على غير وجه التقرب فهو غير كافر، إذ منزع التكفير هو التقرب للمسجود له، لا لذات السجود ... ) ، إلى أن قال: (لذا من سجد لصنمٍ غير متقربٍ له، فهو في الواقع ساجدًا أمامه وقدامه، لا له ... ) ، ثم قال: (فيلخص مما سبق أن لا يلزم من السجود لشيء عبادته، فمن ثم من سجد لشيء فلا يلزم منه عبادته له، بل الأمر محتمل، فيُستفصل منه فإن كان عابده متقربًا له فهو كفر، وإن لم يكن كذلك فليس كفرًا ... ) ، إلى أن قال: (قال بعض الفضلاء: بلى يكفر من جهة أخرى، وهي أن هذا الفعل لم يكفر بالطاغوت، إذ لو كان كافرًا بالطاغوت لما سجد للوثن، والإيمان لا يصح إلا بالكفر بالطاغوت، فيقال: هذا غير صحيح، إذ لو لم يكن كافرًا بالطاغوت لتقرب إليه ... ) [نقل قوله من رسالته: مهمات ومسائل متفرقات وتنبيهات متممات تتعلق بالتكفي: ص 1 - 5] .
وقال في"الرد الأول"ص: 41]: (نحن لا نختلف في أن الإيمان لا يصح إلا بالكفر بالطاغوت، لكن الخلاف بيننا هل السجود للصنم على غير التقرب منافي للكفر بالطاغوت أم لا ... وأنا أزعم أنه غير منافي له مطلقًا، مع اتفاقنا أيضًا أنه آثم، لكن الإثم شيء والكفر شيء آخر ... ) .
وقال في"الرد الأول" [ص: 13] : (إجابة الاعتراض الثالث؛ أن يقال: إن من المعلوم أن المتلازمين لا ينفكان، وما كان هذا ليخفى على مثل هذا الإمام الفحل الذي نقلت عنه ما يدل على أن المتلازمين لا ينفكان، لذا هذا التلازم فيمن سجد له على وجه الاستحقاق، فالسجود مراد لذاته لا لأمر دنيوي من مال ونحوه، إذ ما من عمل إلا وله دافع، سجود بدون أي دافع هذا لا يكون إلا تقربا وتعظيما للمسجود، أما عند وجود دوافع - كالمال ونحوه - فإن التلازم ينفك، إذ هو لا يريد التقرب القلبي، وإنما يريد المال، وهذا هو السجود إليه، والقلب هو الملك والأعضاء جنوده - كما قال أبو هريرة رضي الله عنه -) .
وقال في مذكرة له بعنوان"الرد الثاني" [ص: 3 8] : (وهذا مثل الساجد للصنم، فقد تكون اللام بمعنى إلى الاستحقاق، فإننا نكفره على ظاهره، لكن لا نقطع بباطنه) .
وقال في مذكرةٍ له بعنوان"الرد الأول": (أخي الفاضل؛ من المهم غاية الأهمية أن نفرق بين أمرين: أ/ السجود لصنم، واللام بمعنى الاستحقاق، فهو ساجد لذات الصنم لا لأمر آخر فمثل هذا معظمٌ له وتعظيمه هذا دليل على عدم إنكاره له وبغضه إياه وعلى إقراره به وهذا كفر في الشرع وفاعله لم يستمسك بالعروة الوثقى، ب/ السجود للصنم واللام بمعنى إلى، فهو ساجد لا لذات الصنم لكن لأمر آخر، وإنما الصنم قدامه وأمامه ... فهذا يختلف حكمه باختلاف المسجود إليه فقد يكون واجبا كالصلاة إلى القبلة في الفريضة وقد يكون مستحبا، وقد يكون محرما كالسجود إلى الصنم لما فيه من المشابهة بعباد الأوثان وهكذا. فمن ثم يعلم أن السجود للصنم أمر محتمل، إن أراد السجود لذاته فاللام للاستحقاق فهذا كفر، وإن أراد السجود لأمر آخر فاللام بمعنى إلى، فهذا محرم وليس شركا) [ص: 2 - 3] .
وقد وُجِّهتْ ِإليه أسئلة في هذا الصدد، تبين حقيقة قوله في كل مسألة بعينها، لئلا يُقال فهم من كلامه كذا وكذا، ثم يدخل الكلام الاحتمال في اختلاف المفاهيم.
فنسوق كل سؤال مع إجابته، ليعلم الناظر فيها موقع الخلل ومواطن الزلل:
السؤال الأول: (ما الحكم في رجل يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لكنه طمعًا في دنيا، أو مجاراةً للمشركين، يسجد للشمس، ويذبح لبوذا، ويتمسح بالصلبان، غير أنه لم يرد التقرب لهذه الأشياء، وإنما مقصوده الدنيا ولا شيء غيرها؟) .
فقال في إجابته:(وإنك - أيها الأخ المبارك - سألت في السؤال الأول عن أشياء ثلاثة، الأول؛ السجود للشمس: قد بينت لك في الوريقات الأولى - يريد مهمات ومسائل متفرقات وتنبيهات متممات تتعلق بالتكفير المذكورة أعلاه - أنه لا يلزم من السجود للشئ عبادته، فمن من سجد سجودًا على غير وجه التعبد والتقرب للشمس فإنه لا يكفر، بخلاف من سجد تقربًا وتعبدًا، إذ المعول في التكفير بالسجود هو التقرب القلبي، وما ذكرت من السجود لا يعد كفرًا.
الثاني؛ الذبح لبوذا: قد نقلت لك في الوريقات الأولى؛ أن الذبح من الأمور المحتملة، فلا يكفر الذابح، إلا إذا كان على وجه التقرب والتعبد ...
الثالث؛ التمسح بالصلبان: القول فيه كسابقه، وأعيد مكررًا إن عدم التكفير بهذه الأعمال مباشرةً عدم وجود نص ٌ شرعي - فيما أعلم - يكفر بها مباشرة، فمن ثم صارت من الأعمال المحتملة، والله أعلم).
السؤال الثاني: (ما الحكم في رجلٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكنه يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرائيًا، وكان يظلم الناس، ويجور في قسمته، ويحابي قرابته، وإذا كان مثل هذا مسلمًا، فما حد السب الذي يضاد الإيمان من كل وجه، والذي يعتبر كفرًا يخرج به صاحبه من الإسلام؟) .
جواب السؤال الثاني: (القائل لأحد هذه الأمور؛ كافرٌ ولا يعذر بجهله، إذا توافرت في حقه الشروط وانتفت عنه الموانع، لكن أرجو أن تفرق بين هذه الألفاظ، وقول البدري:"أن كان ابن عمتك"، وقول الرجل:"إعدل يا محمد"، ومناشدت أزواجه إياه العدل إذ هذه لا تكون سبًا، إلا من باب اللازم، ولا زم المذهب ليس لازمًا، لذا لم يكفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما سبق في الوريقات الأولى -) [رسالته: مهمات ومسائل متفرقات وتنبيهات متممات تتعلق بالتكفير، ص: 1 - 5] .
السؤال الثالث: (ما معنى الكفر بما يعبد من دون الله، وهل يكفي اعتقاد بطلانه، مع ظهور أعمال تخالف ذلك؟) .
جواب السؤال الثالث: (قد تم بإجابة السؤال الثاني) .