فنقول:
الجواب؛ إن الساجد للصنم والوثن والبوذا والشمس والمتمسح بالصلبان؛ مؤمنٌ بالطاغوت، كافرٌ بالله، وإن لم ينوى بقلبه عبادتها وقصد التقرب لها، بنص القرآن والسنة والإجماع، فمن وافق الكفار في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن ومدح ما هم عليه من الكفر أو أثنى على أصنامهم وطواغيتهم؛ حُكِمَ عليه بمقتضى ذلك، وإذا وافق الحكم المحل فلا اعتراض على من حكم بالدليل، لقول تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ... } .
فقد روى ابن ابي حاتم عن عكرمة: (قال جاء حيي بن أخطب وكعب بن أشرف إلى أهل مكة فقالوا: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنّا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن ونفك العاني ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج من غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا، فنزلت الآية) .
وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في المسألة الرابعة: (وهي أهمها، معنى الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع، هل هو اعتقاد القلب أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها) [باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان] .
وقد أجمع العلماء على أن من قال أو فعل كفرًا؛ يكفر بالحال، لانشراح صدره بذلك، ما لم يكن مكرهًا لأن،"الرضا بالكفر كفر، والعزم على الكفر كفرٌ بالحال، وكذا لو تردد هل يكفر؛ كفرَ بالحال، وكذا تعليق الكفر بأمرٍ مستقبل؛ كفرٌ بالحال" [قاله صاحب كفاية الأخيار: ص 220] .
ولقوله تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم ... } ، إلى قوله: {سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم} ، إي إسرارهم الكذب والمخالفة، فإذا كان من وعد بالكفر - وإن لم يفعله - يكفر وإن عقد النية على المخالفة في الباطن، فكيف بمن فعله وإن اعتقد بطلانه؟! وأيضًا قوله تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} ، والإرادة؛ هي عمل القلب وعزمه على الفعل، والإرادة الجازمة تستلزم وجود المقدور عليه لا محالة، وقوله تعالى: {ألم ترإلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لأن أُخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدا * وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لأن أخرجوا لا يخرجون معهم ولان قوتلوا لا ينصرونهم ... الآية} ، فقد شهد الله على كذبهم وأخبر بباطنهم، من إضمار عدم الخروج معهم ونصرتهم على المؤمنين.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن أهل الملل متفقون؛ على أن الرسل جميعهم نهوا عن عبادة الإصنام، وكفروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمنًا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام وكل معبود سوى الله، كما قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} ) ، وذكر آيات، ثم قال: (فإن اليهود والنصارى يكفرون عباد الأصنام) [مجموع الفتاوى: 2/ 128] .
وقال في موضع آخر - أثناء كلامه على وقوع بعض الطوائف في الكفر: (لكن يقع ذلك في طوائف منهم في أمور يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدًا بعث بها وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ... وهذه ردة عن الإسلام إجماعًا) .
فقال العلامة عبد الله أبا بطين معلقًا عليه: (فقوله رحمه الله:"بل اليهود والنصارى يعلمون ذلك"، هو كما قال، فقد سمعنا من غير واحدٍ من اليهود؛ أنهم يعيبون على المسلمين ما يفعل عند هذه المشاهد، يقولون؛ إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي، وإن كان نهاكم عنه؛ فقد عصيتموه) [الانتصار] .
وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (اعلم رحمك الله تعالى؛ أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ... فأما صفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها وتعاديهم) [مجموعة التوحيد: 1/ 14] .
وقال في موضع آخر: (ومعنى الكفر بالطاغوت؛ أن تبرأ من كل ما يُعتقد فيه غير الله، من جني أو أنسي أو شجر أو حجر أو غير ذلك، وتشهد عليه بالكفر والضلال، وتبغضه، ولو كان أباك أو أخاك، فأما من قال؛ أنا لا أعبد إلا الله، وأنا لا أتعرض السادة والقباب على القبور، وأمثال ذلك، فهذا كاذب في قول لا إله إلا الله، ولم يؤمن بالله ولم يكفر بالطاغوت) [الدررالسنية: 1/ 121] .
وقال المجدد الثاني الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله: (أجمع العلماء سلفًا وخلفًا من الصحابة والتابعين والأئمة وجميع أهل السنة: أن المرء لا يكون مسلمًا إلا بالتجرد من الشرك الأكبر والبراءة منه وممن فعله وبغضهم ومعاداتهم، بحسب الطاقة والقدرة وإخلاص الأعمال كلها لله) [الدررالسنية: 11/ 545] .
وقال العلامة سليمان بن سحمان: (هذه كلماتٍ في بيان الطاغوت ووجوب اجتنابه، قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} ، فبين تعالى أن المستمسك بالعروة الوثقى هو الذي يكفر بالطاغوت، وقدم الكفر به على الإيمان بالله، لأنه قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله وهو لا يجتنب الطاغوت وتكون دعواه كاذبة، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} ، فأخبر أن جميع المرسلين قد بعثوا باجتناب الطاغوت، فمن لم يجتنبه فهو مخالف لجميع المرسلين، قال تعالى: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى} ، ففي هذه الآيات من الحجج على وجوب اجتنابه وجوه كثيرة، والمراد من اجتنابه؛ هو بغضه وعداوته بالقلب وسبه وتقبيحه باللسان وإزالته باليد عند القدرة ومفارقته، فمن ادعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك؛ فما صدق) [الدرر السنية: 1/ 502] .
وفي الحديث: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله؛ فقد حرم ماله ودمه وحسابه على الله) [رواه مسلم من حديث طارق بن أشيم] .
"وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لاشريك له، بل لا يَحْرُمُ ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه، فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، وياله من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع" [قاله الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب: في مسائل الباب السادس من كتاب التوحيد] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن سَبّ الله أو سَبَ رسوله؛ كفرٌ ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة، القائلين؛ بأن الإيمان قول وعمل) [الصارم: 492] .
وقال رحمه الله: (فأما إن سب نبيًا، غير معتقد لنبوته، فإنه يستتاب من ذلك، إذا كان ممن علمت نبوته بالكتاب والسنة، لأن هذا جحد لنبوته، إن كان ممن يجهل أنه نبي؛ فإنه سب محض، فلا يقبل قوله: إني لم أعلم أنه نبي) [الصارم: 538] .
وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية هنا أبلغ من قول غيره في الحكم على الجاهل، وعامله بمقتضى الظاهر، كما يبينه قوله: (فلا يقبل قوله: إني لم أعلم أنه نبي) .