فصل؛ في الرد على قوله؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُكفر من قال: (أن كان ابن عمتك) ، وتشبيهه قول أمهات المؤمنين بأقوال المنافقين
فصل؛ في الرد على قوله؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُكفر من قال: (أن كان ابن عمتك) ، ومن قال: (إعدل يا محمد) ، وتشبيهه قول أمهات المؤمنين بأقوال المنافقين، مع أن القائل طاعن في حكم النبي صلى الله عليه وسلم، وراميًا له بالجور والمحاباة والظلم، وبيان وهمه على ابن تيمية.
فقد وَرَدت عليه أسئلة، فأجاب عليها، فكان منها هذا السؤال:
السؤال الثاني: (ما الحكم في رجلٍ يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكنه يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كان مرائيًا، وكان يظلم الناس، ويجور في قسمته، ويحابي قرابته؟ وإذا كان مثل هذا مسلمًا، فما حد السب الذي يضاد الإيمان من كل وجه، والذي يعتبر كفرًا يخرج به صاحبه من الإسلام؟
فقال: (جواب السؤال الثاني؛ القائل لأحد هذه الأمور كافرٌ، ولا يعذر بجهله، إذا توافرت في حقه الشروط وانتفت عنه الموانع، لكن أرجو أن تفرق بين هذه الألفاظ وقول البدري:"أن كان ابن عمتك"، وقول الرجل:"إعدل يا محمد"، ومناشدت أزواجه إياه العدل، إذ هذه لا تكون سبًا إلا من باب اللازم، ولازم المذهب ليس لازمًا، لذا لم يكفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما سبق في الوريقات الأولى -) يريد رسالته"مهمات ومسائل متفرقات وتنبيهات متممات تتعلق بالتكفير)."
وقال - بعد ذكره لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) :(قال ابن تيمية عن حديث حاطب في المنهاج [4/ 331] :"وهذه القصة مما أجمع أهل العلم على صحتها، وهي متواترة عندهم، معروفة عند علماء التفسير وعلماء الحديث وعلماء المغازي والسير والتواريخ وعلماء الفقه وغير هؤلاء"اهـ.
وهذا خلاف صنيعه الأول في"الصارم"إذ حاول التشكيك في صحة زيادة؛"وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر") [مهمات ومسائل متفرقات وتنبيهات متممات تتعلق بالتكفير": ص 5] ."
فنقول:
سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لو تصور هذا القائل ما يخرج من فيه لأحجم ولم يتكلم، والأمر كما قال تعالى: {تحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم} .
أية شروطٍ تلك التي تريدها تثبت في حق من طعن في حكم النبي صلى الله عليه وسلم أو اتهمه بالظلم والجور - والعياذ بالله - والمحاباة في دين الله؟! وأي مانعٍ يمنع من تكفيره ... بل قتله من غير استتابة - كما فعل عمر وخالد رضيّ الله عنهما -؟!
ولا نكثر الكلام في هذا فقد كفانا شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك.
قال رحمه الله:(بعد ذكره لقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما} ، فأقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه ثم لا يجدوا في نفوسهم حرجًا من حكمه، فمن شاجر غيره في حكم وحرج لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحش في منطقه؛ فهو كافر بنص التنزيل، ولا يعذر بأن مقصوده ردّ الخصم، فإن الرجل لا يؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
ومن هذا الباب قول القائل:"إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله"، وقول الآخر:"اعدل فإنك لم تعدل"، وقول ذلك الأنصاري:"أن كان ابن عمتك"؛ فإن هذا كفر محض، حيث زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حكم للزبير لأنه ابن عمته، ولذلك أنزل الله تعالى هذه الآية، وأقسم أنهم لا يؤمنون حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجًا من حكمه، وإنما عفا عنه النبي عليه الصلاة والسلام كما عفا عن الذي قال:"إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله"، وعن الذي قال:"اعدل فإنك لم تعدل)."
وقد ذكرنا عن عمر رضي الله عنه أنه قتل رجلًا لم يرض بحكم النبي عليه الصلاة والسلام، فنزل القرآن بموافقته، فكيف بمن طعن في حكمه ...
فإن قيل: ففي رواية صحيحة أنه كان من أهل بدر، وفي الصحيحين عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال؛ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، ولو كان هذا القول كفرًا للزم أن يغفر الكفر، والكفر لا يغفر، ولا يقال عن بدري: إنه كفر.
فيقال: هذه الزياة ذكرها أبو اليمان عن شعيب، ولم يذكرها أكثر الرواة، فيمكن أنها وهم، كما وقع في حديث كعب وهلال بن أمية؛ أنهما لم يشهدا بدرًا، وكذلك لم يذكره ابن اسحاق في روايته عن الزهري، ولكن الظاهر صحتها.
فنقول: ليس في الحديث أن هذه القصة كانت بعد بدر، فلعلها قبل بدر، وُسمي الرجل بدريًا لأن عبد الله بن الزبير حدّث بالقصة بعد أن صار بدريًا, فعن عبد الله بن الزبير عن أبيه؛ أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي صلى الله عليه وسلم في شِراج الحرة التي يسقون بها النخل ... ).
إلى أن قال:(وهذا يقوي أن القصة متقدمة قبل بدر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور؛ أن الأعلى يسقي ثم يحبس حتى يبلغ الماء الكعبين، فلو كانت قصت الزبير بعد هذا القضاء؛ لكان قد عُلم وجه الحكم فيه، وهذا القضاء الظاهر المتقدم من حيث قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الحاجة إلى الحكم فيه من حين قَدِمَ، ولعل قصة الزبير أوجبت هذا القضاء ...
وإن كانت هذه القصة بعد بدر؛ فإن القائل لهذه الكلمة يكون قد تاب واستغفر وقد عفا له النبي صلى الله عليه وسلم عن حقه، فغفر له، والمضمون لأهل بدر إنما هو المغفرة؛ إما بأن يسغفروا إن كان الذنب مما لا يغفر إلا بالاستغفار أو لم يكن كذلك، وإما بدون أن يستغفروا.
ألا ترى أن قدامة بن مظعون - وكان بدريًا - تأول في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ... الآية} ، حتى أجمع رأى عمر وأهل الشورى؛ أن يستتاب هو وأصحابه، فإن أقروا بالتحريم جلدوا، وإن لم يقروا به كفروا، ثم إنه تاب وكاد ييأس لعظم ذنبه في نفسه، حتى أرسل إليه عمر بـ"أول غافر)."
فعُلم أن المضمون للبدريين؛ أن خاتمتهم حسنة، وأنهم مغفور لهم، وإن جاز أن يصدر عنهم قبل ذلك ما عسى أن يصدر، فإن التوبة تجب ما قبلها، وإذا ثبت أن كل سب تصريحًا أو تعريضًا؛ موجب للقتل، فالذي يجب أن يعتنى به الفرق بين السب الذي تقبل منه التوبة والكفر الذي تقبل منه التوبة ... ) [الصارم: 505 - 508] .
وأما رميه شيخ الإسلام بمحاولة التشكيك في صحة زيادة؛"وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر"، يريد قول الشيخ الذي تم نقله آنفا: (فإن قيل: ففي رواية صحيحة أنه كان من أهل بدر، وفي الصحيحين عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال؛ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، ولو كان هذا القول كفرًا للزم أن يغفر الكفر، والكفر لا يغفر، ولا يقال عن بدري: إنه كفر، فيقال: هذه الزياة ذكرها أبو اليمان عن شعيب ولم يذكرها أكثر الرواة، فيمكن أنها وهم، كما وقع في حديث كعب وهلال بن أمية أنهما لم يشهدا بدرًا، وكذلك لم يذكره ابن اسحاق في روايته عن الزهري، ولكن الظاهر صحتها) .
وهذا مما يدل على وفور جهله وقلة علمه.
فإن الشيخ رحمه الله تكلم على حديث اختصام الزبير والأنصاري في شراج الحرة، ولم يتكلم على حديث حاطب ابن أبي بلتعه، كما ظنه هذا المتحذلق المفتون، ولكن ذكر حديث حاطب من باب الإيراد، وأن أهل بدر غفرت لهم ذنوبهم، فكيف يصدر الكفر من بدري؟! - كما هو واضح في تتمة النقل السابق -
ولو أمعن النظر لأراح واستراح، ولكن الأمر كما قيل؛ حبك الشيء يعمي ويصم، فبَهت الشيخ ونسب إليه ما لم يقل، ثم ذهب يبني على هذا الوهم تخطئة الشيخ وأنه حاول التشكيك في صحة زيادة الحديث، وظن نفسه قد أتى بغاية التحقيق ونهاية التدقيق.
فيا محنة الدين من هذا الجنس، قاتل الله الجهل ما فعل بأهله!
فبين الشيخ رحمه الله؛ أن أبا اليمان تفرد بهذه الزيادة؛ أنه كان من أهل بدر، عن شعيب، ولم يذكرها غيره ممن روى عنه، ثم إنه بين في آخر كلامه رحمه الله أن ظاهرها الصحة، كما في قوله: (ولكن الظاهر صحتها) ، لتوفر شروط الصحة وانتفاء وجود علة قادحةً في الظاهر تدل على ضعف تلك الزيادة.
وما ذكره شيخ الإسلام بشأن هذه الزيادة؛ هي مسألة معروفة عند أهل الدراية في الحديث في قبول زيادة الثقة إذا انفرد بها عن غيره ممن رووا ذلك الحديث.
وممن اعتنى بجمعها ومعرفتها؛ أبو بكر عبد الله بن زياد النيسابوري وأبو نعيم الجرجاني وأبو الوليد حسان بن محمد القرشي وغيرهم من أهل الحديث.
وقد اختلف العلماء في قبول تلك الزيادة على ثلاثة أقوال - كما ذكره ابن الصلاح - القول الأول: زيادة ليس فيها منافاة لما رواه الثقات أو الأوثق؛ فهذه حكمها القبول، والقول الثاني: زيادة منافية لما رواه الثقات أو الأوثق؛ فهذه حكمها الرد، وهو الحديث الشاذ، والقول الثالث: زيادة فيها نوع منافاة لما رواه الثقات أو الأوثق - كتقيد المطلق أو تخصيص العام - وهذا القسم سكت عن حكمه ابن الصلاح.
وقال عنه النووي: (والصحيح قبول هذا الأخير) .
وهذا مذهب الشافعي ومالك وأما أبوحنيفة، فقد ذهب إلى عدم قبولها [علوم الحديث: 77، والكفاية: 424، والتقريب مع التدريب: 1/ 247] .
وما ذُكر هنا؛ يعرفه كل طالب ودارس، إذ هو من أولويات علم مصطلح الحديث.
وكأن الرجل أجنبي لم يمارس شيئًا من فنون العلم وأبوابه، ثم أتى من بعد التقصير بالمعرفة والتحقيق، فليته سكت لوسعنا السكوت عنه وعدم التعرض له، ولكنه كعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها.
وأما كون النبي ترك قتل هؤلاء المنافقين وإقامة الحدود عليهم، فلعدة أسباب ذكرها شيخ الإسلام.
قال رحمه الله تعالى:(السنة الرابعة عشرة: حديث الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أعطاه:"ما أحسنت ولا أجملت"، فأراد المسلمون قتله، ثم قال النبي:"لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه؛ دخل النار"، وسيأتي ذكره في ضمن الأحاديث المتضمنة لعفوه عمن آذاه.
فإن هذا الحديث يدل على أن من آذاه إذا قتل دخل النار، وذلك دليل على كفره وجواز قتله.
ومن هذا الباب: أن الرجل الذي قال له لما قسم غنائم حنين:"إن هذاه لقسمة ما أريد بها وجه الله"، فقال عمر:"دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق"، فقال:"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل الناس)."
فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع عمر من قتله إلا لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولم يمنعه لكونه في نفسه معصومًا ... ).
إلى أن قال:(فعلم؛ أن قتل هذا القائل إذا أمنت هذه المفسدة جائز، وكذلك لما أمنت هذه المفسدة؛ أنزل الله تعالى قوله: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} ، بعد أن كان قد قال له: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} .
وقال زيد بن أسلم:"قوله: {جاهد الكفار والمنافقين} نسخت ما كان قبلها)."
ومما يشبه هذا؛ أن عبد الله بن أُبيِّ لما قال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} ، وقال: {لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} ؛ استأمر عمر في قتله، فقال:"إذن ترعد له أنوف كثيرة بالمدينة"، وقال:"لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"، والقصة مشهورة وهي في الصحيحين - وسيأتي إن شاء الله تعالى -
فعُلم أن من أذى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكلام؛ جاز قتله كذلك مع القدرة، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله؛ لما خيف في قتله من نفور الناس عن الإسلام، لما كان ضعيفا) [الصارم: 205 - 207] .
وقال أيضًا رحمه الله في معرض كلامه:(الجواب الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يعفو عمن شتمه وسبه في حياته، وليس للأمة أن يعفوا عن ذلك.
يوضح ذلك؛ أنه لا خلاف أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه بعد موته من المسلمين؛ كان كافرًا حلال الدم، وكذلك من سب نبيًا من الأنبياء، ومع هذا فقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} ، وقال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} ، فكان بنوا إسرائيل يؤذون موسى في حياته بما لو قاله اليوم أحد من المسلمين؛ وجب قتله، ولم يقتلهم موسى عليه السلام، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يقتدي به في ذلك، فربما سمع أذاه أو بلغه فلا يعاقب المؤذي على ذلك، قال تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} ، وقال تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطو منها إذا هم يسخطون} .
وعن الزهري عن أبي سعيد قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم إذ جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال:"اعدل يا رسول الله"، وذكر الحديث، وفيه نزلت: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} ... فهذا الرجل الذي قد نص القرآن أنه من المنافقين بقوله: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} ؛ أي يعيبك ويطعن عليك.
وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم:"اعدل واتق الله"، بعد ما خص بالمال أولئك الأربعة، نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه جار ولم يتق الله ... ومن هذا الباب ... ) .
ثم ذكر قول الرجل: (والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها أو ما أوريد بها وجه الله) :( ... وذكر الواقدي؛ أن المتكلم بهذا كان معتب بن قشير وهو معدود من المنافقين.
فهذا الكلام مما يوجب القتل بالاتفاق، لأنه جعل النبي صلى الله عليه وسلم ظالمًا مرائيًا، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم؛ بأن هذا من أذى المرسلين، ثم اقتدى في العفو عن ذلك بموسى عليه السلام، ولم يستتب لأن القول لم يثبت، فإنه لم يراجع القائل ولا تكلم في ذلك بشيء ...
ومن ذلك قول الأنصاري الذي حاكم الزبير في شراج الحرة، لما قال له صلى الله عليه وسلم:"اسق يازبير ثم سرح إلى جارك"، فقال:"أن كان ابن عمتك"، وحديث الرجل الذي قضى عليه فقال:"لا أرضى"، ثم ذهب إلى أبي بكر ثم إلى عمر؛ فقتله.
فهذا الباب كله مما يوجب القتل، ويكون به الرجل كافرًا منافقًا، حلال الدم، كان النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء يعفون ويصفحون عمن قاله، امتثالًا لقوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ... فالكلام الذي يؤذيهم؛ يكفر به الرجل، فيصير به محاربًا إن كان ذا عهد، ومرتدًا أو منافقًا إن كان ممن يظهر الإسلام ...
ومما يوضح ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعفو عن المنافقين الذين لايشك في نفاقهم، حتى قال:"لو أعلم أني زدت على السبعين غفرله لزدت"، حتى نهاه الله عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم، وأمره بالإغلاظ عليهم، فكثير مما يحتمله من المنافقين من الكلام وما يعاملهم من الصفح والعفو والاستغفار كان قبل نزول"براءة"، لما قيل له: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} ، لاحتياجه إذ ذاك إلى استعطافهم، وخشية نفور العرب عنه إذا قتل أحدًا منهم.
وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال ابن أبيّ: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} ، ولما قال ذو الخويصر:"اعدل فإنك لم تعدل"، وعند غير هذه القصة، أنما لم يقتلهم لئلا يتحدث الناس؛ أن محمدًا يقتل أصحابه، فإن الناس ينظرون إلى ظاهر الأمر، فيرون واحدًا من أصحابه قد قتل، فيظن الظان أنه يقتل بعض أصحابه على غرض أو حقد أو نحو ذلك، فينفر الناس عن الدخول في الإسلام.
وإذا كان من شريعته؛ أن يتألف الناس على الإسلام بالأموال العظيمة، ليقوم دين الله وتعلو كلمته، فلأن يتألفهم بالعفو أولى وأحرى، فلما أنزل الله"براءة"ونهاه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم، وأمره أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم؛ نسخ جميع ما كان المنافقون يعاملون به من العفو، كما كان الكفار يعاملون به من الكف عمن سالم، ولم يبق إلا إقامة الحدود، وإعلاء كلمة الله في حق كل إنسان) [الصارم: 250 - 259] .
وأما تشبيهه لقول أمهات المؤمنين بمناشدت النبي صلى الله عليه وسلم العدل في المحبة بأقوال المنافقين القائلين؛"اعدل يا محمد"، و"أن كان ابن عمتك)."
كما في قوله: (أرجو أن تفرق بين هذه الألفاظ وقول البدري:"أن كان ابن عمتك"، وقول الرجل:"اعدل يا محمد"، ومناشدت أزواجه إياه العدل، إذ هذه لا تكون سبًا إلا من باب اللازم ولا زم المذهب ليس لازمًا لذا لم يكفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
فهذه زلة عظيمة وورطة كبيرة وسوء أدب مع أمهات المؤمنين وسؤ ظنّ بهن، إذ كيف يتصور أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ يَطعَن في حكمه ويرمينه بما لا يليق بمقامه الشريف.
وكل ذلك نصرة للمذهب، وتقوية الحجة بما لا يزيدها إلا وهنًا، ولا يزيد قوله إلا شناعةً وقبحًا، ومثل هذا القائل؛ لا يعذر لاطلاعه على القصة ووقوفه على الخبر.
ولنذكر الشاهد من الحديث الذي وردت فيه القصة، لأنه أشار إليه إشارة موهمة، ظنا منه أنها تخدمه وتنصر ما ذهب إليه وانتحله، نسأل الله العافية.
فقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة بعث صاحب الهدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، فكلم حزب أم سلمة فقلن لها: (كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهدها إليه حيث كان من بيوت نسائه) ، فكلمته أم سلمة بما قلن لها، فلم يقل لها شيئًا ... فقال لها: (لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة) ،، قالت: فقالت: (أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله) ، ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: (إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر) ، فكلمته فقال: (يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ ... الحديث مختصرًا) [كتاب الهبة وفضلها] .
ولو ساق هذا المفتون الحديث على وجهه؛ لكان كافيًا في رد خطأه وبيان تهوره وتعسفه، فمعناه واضح لكل من قرأه أو سمعه، فضلًا عمن رجع إلى بيان مفرداته وشرحه وجمع أطرافه وتتبعه.
ولنذكر الألفاظ الدالة على سوء فهمه وتمحله.
فمنها قولها: (وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة) ، ومنها: (إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة بعث صاحب الهدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة) ، ومنها: (كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهدها إليه حيث كان من بيوت نسائه) ، ومنها: (إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر فكلمته، فقال: يا بنية ألا تحبين ما أحب) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم؛ أعدل الناس على الإطلاق في قسمه بين نسائه، لكن كان يحب عائشة ويميل إليها أكثر من غيرها، وكان أصحابه يعلمون ذلك منه، فيتحرون يومها بهداياهم، طلبًا لرضى النبي صلى الله عليه وسلم وموافقةً لما يحبه ولا دخال الفرح والمسرة عليه، فكان أمهات المؤمنين يغرن من ذلك، والغيرة في النساء غريزة خلقية لا يمكن دفعها ولو بلغت المرأة مهما بلغت، فلذا أردن من النبي صلى الله عليه وسلم أن يسوي بينهن في المحبة القلبية التي لا يملكها النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في مقدوره ووسعه.
وأيضا لا يستطيع صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس؛"من أراد أن يهدي إليّ"، لأن هذا الطلب كأنه طلبٌ للإهداء وتشوفًا للهدية، وقد نهي عن أن يهدي الهدية وينتظر الإثابة عليها أو التماس خيرًا منها.
كما جاء عن ابن عباس وغيره في معنى قوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} ، قال رضي الله عنه: (لا تعطي العطية، تلتمس أكثر منها) .
وأمهات المؤمنين؛ أعظم صيانة لجناب النبوة والرسالة وتوقير النبي صلى الله عليه وسلم من غيرهن، ولم ينسبن للنبي صلى الله عليه وسلم الجور في الحكم أو المحابات في القسم - والعياذ بالله - وليس في ذلك مسبة له أو قدح فيه - كما ظنه هذا المأفون، فأرداه سوء ظنه في مهاوي الردى -
وقد جاء عن ابن أبي مليكة في سبب نزول هذه الآية: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة * وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورًارحيما وكان الله واسعًاحكيما} ؛ أنها نزلت في عائشة رضي الله عنها، قاله ابن كثير.
ثم قال:(يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول:"اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"، يعني القلب، هذا لفظ أبي داود، وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلا، قال؛ وهذا أصح.
وقوله: {فلا تميلوا كل الميل} ؛ أي فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية، {فتذروها كالمعلقة} أي فتبقى هذه الأخرى معلقة ... وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون واتقيتم الله في جميع الأحوال؛ غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض) [باختصار] .
فبين الله؛ أن العدل في المحبة القلبية والميل إلى بعض النساء لا يمكن ولو حرص الإنسان على ذلك كل الحرص، ولكن نهى عن الإجحاف والميل التام الذي تتضرر به المرأة، فتصبح كأنها أيم لا مطلقة ولا ذات زوج، وعلى الزوج أن يتقي ويصلح، وما حدث من خللٍ أو زلل فالله يغفره، وليس بعد كلام الله كلام، ولا بعد بيانه بيان.
{ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور} .