الصفحة 12 من 12

فصل؛ في بيان مخالفته الصريحة للإجماع بالنقض تارةً وبالتأويل أخرى

وقال في"الرد الأول" [ص: 13] : (إجابة الاعتراض الثاني؛ أن يقال: إن الإجماعات المحكية ما بين أمرين: إما أنها إجماعات منقوضة مخرومة - كما سبق - أو محمولة على السجود له على غير وجه الاستحقاق الذي يلزم منه تقرب القلب للوثن - كما سيأتي بيانه - وهذا الكلام لا يعارض مذهب أهل السنة ... ) .

الجواب:

هذه مصادمة للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وخرقٌ لإجماع الأمة المحمدية من غير مبرر، سوى الدعوى العريضة العارية والاستحسانات الهابطة بمجرد الظنون والتأويلات الساقطة الباردة، ولكن كما قيل؛ آفة العلم الفهم السقيم.

وهذا تحريفٌ ظاهر، وتفسيرٌ بالمفهوم الباطل، وقد تقدم نقل الإجماع في غير موضع، ونعيده هنا من باب التذكر والاستصحاب له.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله - بعد أن ذكر نواقض الإسلام العشرة: (ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد، والخائف إلا المكره) .

وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في كتابه:"منهاج التأسيس والتقديس" [ص: 134] : (وقد قرر الفقهاء وأهل العلم في باب الردة وغيرها؛ أن الألفاظ الصريحة يجري حكمها وما تقتضيه، وإن زعم المتكلم بها أنه قصد ما يخالف ظاهرها، وهذا صريح في كلامهم يعرفه كل ممارس) .

وقال الصنعاني رحمه الله في"تطهير الاعتقاد": (قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة؛ أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:(الوجه الثالث: أن اعتقاد حلً السبّ كفر - سواء اقترن به وجود السب أو لم يقترن - فإذًا لا أثر للسبً في التكفير وجودًا وعدمًا، وإنما المؤثر هو الاعتقاد، وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء.

الوجه الرابع: أنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحل؛ فليس في السب ما يدل على أن السابّ مستحل، فيجب أن لا يكفر، لا سيما إذا قال: أنا أعتقد أن هذا حرام وإنما أقول غيظًا وسفهًا أو عبثًا أو لعبًا، كما قال المنافقون: {إنما كنا نخوض ونلعب} ، وكما إذا قال: إنما قذفت هذا وكذبت عليه لعبًا وعبثًا) [الصارم: 495 - 496] .

وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي: (لا يمنع القول بشرك من جعل مع الله إلهًا آخر، فإن الأخذ في الدنيا بالظواهر، وما دل عليه اللفظ صريحًا، وهذه قاعدة معروفة أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر، ونص العقلاء: على أن من الحمق المتناهي تكذيب العين وتصديق الظن، فكيف نقبل منك هذه الدعوى، وقد قال عمر رضي الله عنه:"إن الوحي قد انقطع وإنما نؤاخذكم الآن بما ظهر لنا، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء والله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نؤمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة"، وعلى هذا إجماع المسلمين) [السيف المسلول على عابد الرسول: 136] .

وقال المجدد الثاني الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله: (أجمع العلماء سلفًا وخلفًا من الصحابة والتابعين والأئمة وجميع أهل السنة؛ أن المرء لا يكون مسلمًا إلا بالتجرد من الشرك الأكبر والبراءة منه وممن فعله وبغضهم ومعاداتهم بحسب الطاقة والقدرة وإخلاص الأعمال كلها لله) [الدررالسنية: 11/ 545] .

وقال أيضًا رحمهم الله: (ولا ريب: أن الكفر ينافي الإيمان ويبطله ويحبط الأعمال بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} ) .

ثم قال: (وكل كافر قد أخطأ، والمشركون لا بد لهم من تأويلات، ويعتقدون أن شركهم بالصالحين تعظيم لهم ويدفع عنهم، فلم يعذروا بذلك الخطأ ولا بذلك التأويل، بل قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} ) ، ثم ذكر آيات في ذلك.

ثم قال: (أين ذهب عقل هذا عن هذه الآيات وأمثالها من الآيات المحكمات؟! والعلماء رحمهم الله تعالى سلكوا منهج الإستقامة وذكروا باب حكم المرتد، ولم يقل أحد منهم؛ أنه إذا قال كفرًا أو فعل كفرًا وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين؛ أنه لا يكفر بجهله، وقد بين الله في كتابه أن بعض المشركين جهال مقلدون فلم يرفع عنهم عقاب الله بجهلهم، كما قال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ... } ، إلى قوله: {إلى عذاب السعير} ) [الدرر السنية: 11/ 487] .

وقال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله: (وقد ذكر العلماء من أهل كل مذهب أشياء كثيرة لا يمكن حصرها من الأقوال والأفعال والاعتقادات أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند، فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولًا أو مجتهدًا أو مخطئًا أو مقلدًا أو جاهلا معذور؛ مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقض أصله، فلو طرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم) [الإنتصار] .

وقال العلامة سليمان بن سحمان: (قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله وهو لا يجتنب الطاغوت، وتكون دعواه كاذبة، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} ، فأخبر أن جميع المرسلين قد بعثوا باجتناب الطاغوت، فمن لم يجتنبه فهو مخالف لجميع المرسلين) [الدرر السنية: 10/ 501] .

ويقول القاضي عياض: (اعلم أن من استخف بالقرآن، أو المصحف أو بشيء منه ... فهو كافرٌ عند أهل العلم بالإجماع) [الشفا: 2/ 1101 - 2/ 1076] .

وقال الإمام إسحاق بن راهويه: (أجمع المسلمون؛ على أن من سب الله أو سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئًا مما أنزل الله عز وجل أو قتل نبيًا من أنبياء الله عز وجل؛ أنه كافرٌ بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله) [الصارم: 32 - 33] .

وقال أيضًا رحمه الله تعالى: (ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن باللّه تعالى، ومما جاء من عنده، ثم قتل نبيًا، أو أعان على قتله، ويقول قتل الأنبياء محرم؛ فهو كافر) [تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي: 2/ 930] .

وقال محمد بن سحنون القيرواني: (أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم والمتنقص له؛ كافرٌ والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر) [الصارم: 32 - 33] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا عن عبادة الإصنام وكفروا من يفعل ذلك ... وأن المؤمن لا يكون مؤمنًا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام وكل معبود سوى الله، كما قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} ) ، وذكر آيات، ثم قال: (فإن اليهود والنصارى يُكفرون عباد الأصنام) [مجموع الفتاوى: 2/ 128] .

وقال أيضا رحمه الله: (إن سَبّ الله أو سَبَ رسوله؛ كفرٌ ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين؛ بأن الإيمان قول وعمل) [الصارم: 492] .

وقال في موضع آخر: (أن اعتقاد حلً السبّ كفر - سواء اقترن به وجود السب أو لم يقترن - فإذًا لا أثر للسبً في التكفير - وجودًا وعدمًا - وإنما المؤثر هو الاعتقاد، وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء) [الصارم: 496] .

وبعد هذا يتبين تهافت قوله: (وهذا الكلام لا يعارض مذهب أهل السنة) ، كما زعم هذا القائل الذي لا يدري ما يخرج من رأسه، ولا يدري أنه لا يدري، ويظن كل سوداء تمرة وكل بيضاء شحمة، والله المستعان، وعليه التكلان.

فأين الدعوى من البينة؟! وهذة جرأة في ركوب الباطل وإصرار في الإنزلاق في المخاطر.

وإذا تأمل العاقل ما في هذا الكلام؛ عرف قدر ما منّ الله عليه من نعمة العقل، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وسأله المعافاة من هذه الأغلوطات والورطات التي لا يقضي منها الأريب العجب، والله المستعان.

وفي هذا القدر كفاية إن شاء الله لمن أراد الله هدايته، وأما من صمم على الباطل فلا حيلة فيه.

وقد تم المقصود مما أردناه.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

تم الفراغ منها بعون الله في مساء يوم الجمعة لثمانٍ خلون من شهر جمادى الأولى لسنة ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون، من الهجرة النبوية

وكتبه؛ أحمد بن حمود الخالدي

الأحساء، الهفوف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت