فأصلهم في هذا أصل سوء وهو قول الجهمية إنَّ الإيمان هو التصديق بالقلب فقط ولأنّ الجهمية وغلاة المرجئة عرفوا الإيمان بذلك وقصروه على معرفة القلب وتصديقه، فإنّهم يُقيّدون الكفر بضدّه، ومن ثم فلا ينتقض الإيمان عندهم إلاّ بالاعتقاد (التكذيب) أو الجحود القلبي أو الاستحلال.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان أنَّ غُلاة المرجئة لا يرون إلاّ كفر الجحود والتكذيب.
ومرجئة زماننا ممّن يرتدون رداء السلفية وإنْ كانوا يُخالفون المرجئة الأوائل في مسمّى الإيمان وتعريفه كتعريف فقط، إلاّ أنهم يوافقونهم على كثير من لوازم ذلك التعريف، فيرّوجون شبهاتهم، ويُصرحون بأنَّ التكفير لا يكون إلاّ بالاعتقاد والجحود القلبي فهؤلاء وإنْ كانوا يُعرّفون الإيمان تعريفًا صحيحًا ويُدخلون فيه القول والعمل إضافة إلى الاعتقاد، لكنّهم في حقيقية الأمر لا يُكفّرون إلاّ بالاعتقاد فقط.
تأمّل على سبيل المثال لا الحصر قول الحلبي في مقدمته صفحة 19: (فالأمر كلّه في دائرة الكفر مبني على نقض الإيمان وعدم الاعتقاد) انتهى.
وقوله قبل ذلك صفحة 9 في الهامش: (من ثبت له حكم الإسلام بالإيمان الجازم إنمّا يخرج عنه بالجحود أو التكذيب) انتهى.
وقوله صفحة 27: (فينبغي على ضوء ذلك الحكم على المتروكات وفق قاعدة الترك الاعتقادي!! المبني على الجحود والإنكار أو التكذيب أو الاستحلال لا على الترك المجرّد) انتهى.
فهذا كلّه شاءوا أم أبوا من نتائج ولوازم القول بأنَّ الإيمان هو التصديق القلبي فقط، وإنْ كانوا لا يُعرّفونه كذلك .. ولكنّهم يتبنّون لوازمه .. ولذلك فقد أهملوا ركن العمل الذي يذكرونه تبرّكًا في تعريف الإيمان فجعلوا ترك الأعمال وزوالها كلها ناقصا للإيمان فقط .. كما لا يكون شيئًا من العمل ـ عندهم ـ ناقضًا دون جحود قلبي أبدًا ..
وعلى هذا فيكف يقولون إنَّ العمل ركن من أركان الإيمان؟!
والحق ما قرّره أئمّتنا من أنَّ في الأعمال: