رابعًا: بيان كفر الحكام الحاليين حتى لو طبقنا قول ابن عباس عليهم
وذلك أنه قد تبين لنا مما نقلناه عن أهل العلم سابقًا أن كلام ابن عباس يدل على أن من قضى بين الناس في واقعة أو وقائع بغير شرع الله فهو دائر بين الكفرين الأصغر والأكبر وأنه إن كان الحامل له على ذلك شهوته وهواه مع اعترافه بأنه عاص مقصر وأن حكم الله هو الحق فهذا كفره كفر اصغر، وأما إن كان فعل ذلك جاحدًا لحكم الله أو معتقدًا أن حكم غير الله أفضل من حكم الله أو مثله أو أنه مخير في الحكم بشرع الله أو مستهينًا بشرع الله فهذا كفره كفر أكبر مخرج من الملة.
وقد بينا أن الحاكم الذي يشرع للناس من دون الله أو يحملهم على التحاكم إلى غير شرع الله غير داخل في هذا التفصيل، ومع ذلك فإننا نقول: سنفترض أنه يمكن تطبيق قول ابن عباس على الحاكم الذي يشرع من دون الله فإن أي منصف لابد أن يصنف حكامنا هذه الأيام في عداد من وقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة، وذلك لأن قرائن أحوالهم لا تدل أبدًا على أنهم ممن غلبت عليهم شهوة أو هوى فحكموا بغير ما أنزل الله مع اعتقادهم بوجوب الحكم بما أنزل الله واعترافهم بأنه عاصون مستحقون للوعيد:
-فحين استهزأ حاكم مصر السابق بالحجاب الشرعي فوصفه بأنه خيمة فهل كان يمكن القول إنه معترف بتقصيره وانه قد حملته شهوته وهواه على ترك الحكم بشرع الله؟ أم أن هذا الاستهزاء في حد ذاته دليل على رفضه لشرع الله وتفضيله أحكام البشر عليه؟
-وحين يمنع النظام المصري الحالي مجرد مناقشة تطبيق الشريعة في مجلس الشعب فهل لذلك من معنى إلا أنهم لا يرغبون حتى في التفكير في تطبيق شرع الله؟
-وحينما يرسل رئيس مصر الحالي إلى جعفر نميري (رئيس السودان الأسبق) حينما أعلن تطبيق الشريعة في السودان محذرًا إياه من ذلك، وحين يتباهى رئيس النظام المصري بأنه نصح الرئيس التونسي بقمع الإسلاميين المطالبين بتحكيم الشريعة والشدة معهم مشيرًا إلى أنه حين استجاب لنصحه لم يحدث له ما حدث للرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد الذي لم يعمل بتلك النصائح فحدث له ما هو معلوم؛ أقول حين يحدث ذلك فهل يمكن القول إن حاكم مصر من النوع الذي حملته شهوته وهواه على ترك الحكم بما أنزل الله مع اعترافه بتقصيره وعصيانه؟ وإذا كانت شهوته قد حملته على الحكم بغير شرع الله في بلده فما شأنه بغيره من الحكام؟ ولماذا ينصحهم بعدم الحكم بشرع الله؟ ولماذا ينصحهم بقمع الداعين إلى شرع الله؟ ولماذا يقدم لهم الخبرة والمعونة في التعامل مع هؤلاء الدعاة وكيفية القضاء عليهم؟ إنني لا أفهم لذلك كله معنى إلا أنه يرفض شرع الله من حيث الأصل ويؤثر أهواء البشر عليه.
-بل إنني أقول إن أحسن هؤلاء الحكام حالًا من يقول بالديمقراطية؛ أي يقول أنا مع الشعب فإن اختار الشريعة الإسلامية فلن أمانع في ذلك، ومع ذلك فهذا الذي هو أحسنهم حالًا كافر خارج من الملة كما بينه تفصيل الإمام ابن القيم حيث قال: (وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر) [38] . فهذا الذي أرجع الأمر إلى الشعب قد اعتقد أنه مخير في الأمر وأنه لا يلزمه حكم الله، وفعله وقوله يدلان على ذلك، وهو باستشارته البشر في العمل بشرع الله قد خرج عن حكم أهل الإيمان لأن الله تعالى يقول: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} الأحزاب:36.
-وحكامنا قد قامت عروشهم على فكرة العلمانية التي تعني الفصل بين الدين والدولة، وقد كان حاكم مصر السابق يردد كثيرًا مقولته الشهيرة: (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) ، ولا يزال حكامنا يسيرون على نفس المنوال مقسمين حياة الناس بين الله وبين أهواء البشر مرددين: (أعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر) ، فتركوا لله جانبًا يسيرًا من حياة الناس وهو المتمثل في بعض العبادات، أما حياة الناس العامة من سياسة واقتصاد واجتماع وغيره فقد تركوها لأهواء الذين لا يعلمون فكانوا كمن قال الله فيهم {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} البقرة: 85.
-وهم يصرحون دائمًا بأنه لا فرق بين المسلم وغيره في ظل دولتهم العلمانية ويرفعون شعار (الدين لله والوطن للجميع) ، ويعتبرون أحكام أهل الذمة أحكامًا رجعية قد عفى عليها الزمن وحل محلها مفهوم المواطنة الذي يعني المساواة بين سائر المواطنين، ولا شك أن هذا رفض لأحكام الله وامتناع عن تطبيقها وهو الكفر بعينه، وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والأفتاء (1/ 541) : (وأما من لم يفرق بين اليهود والنصارى وسائر الكفرة وبين المسلمين إلا بالوطن وجعل أحكامهم واحدة فهو كافر) .
-وحكامنا الآن قد صار هاجسهم الأول وشغلهم الشاغل هو كيفية القضاء على الحركات الإسلامية الداعية إلى تحكيم شرع الله، وهاهو النظام المصري ينكل بالدعاة ما بين تشريد وتعذيب وقتل في الشوارع وعلى أعتاب المساجد، وها هي المساجد تقتحم وتنتهك حرماتها من قبل زبانية النظام على مرأى من الناس ومسمع، وها هي المحاكم العسكرية لا تزال تدفع بخيرة شباب مصر إلى المقاصل لا لشيء إلا أنهم يدعون إلى شرع الله ويريدون أن يحكمهم كتاب الله وسنة رسوله، فهل يقال في مثل هذا النظام إنه معترف بتقصيره مقر بأنه عاص مستحق للعقوبة وهو الذي صرح رئيسه في العام 1986م بأن الجماعات الإسلامية مرض يجب القضاء عليه، وبأنهم يجربون الوسائل من أجل القضاء على تلك الجماعات، ثم صرح في أول ولايته الثالثة عام 1993م بأن أول المهام التي سيتفرغ لها القضاء على التطرف، وكلنا يعلم أنه لا يعني بالتطرف إلا الدعوة إلى حكم القرآن والسنة.
-وحكامنا يوالون اليهود والنصارى وينصرونهم على عباد الله الموحدين، وما مؤتمر شرم الشيخ عنا ببعيد، وقد عقد في العام 1996م من أجل مناصرة حكومة اليهود وعلى رأسها في ذلك الوقت شمعون بيريز، وذلك بعد عدة عمليات جهادية قوية نفذها أعضاء حماس والجهاد في فلسطين المحتلة، فهذا المؤتمر عقد على أرض مصرية وبأوامر من"كلينتون"سيد أولئك الحكام، ومقصوده كما أسلفنا نصرة اليهود على المجاهدين في فلسطين المسلمة.
-وحكامنا ذهبوا إلى فلسطين المحتلة يذرفون الدموع حزنًا على الإرهابي المجرم (رابين) ، بينما لم نسمع لهم صوتًا حين قتل اليهود المجاهد (يحيى عياش) والمجاهد (فتحي الشقاقي) ، بل لعل الأقرب إلى المنطق والواقع أنهم كانوا من الشامتين في مقتل هذين الرجلين وأمثالهما من المجاهدين؛ لأن وجود هؤلاء المجاهدين عقبة في طريق سلامهم المزعوم مع اليهود.
-وحكامنا قد تركوا الجهاد في سبيل الله (سواء كان طلبًا أو دفعًا) ، والشيخ الألباني يقول: ( .. أي حاكم في الدنيا إذا قيل له لماذا لا تجاهد في سبيل الله؟ إذا قال الآن ليس هناك جهاد، الآن حرية، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إلى آخره من هذه التأويلات التي ما أنزل الله بها من سلطان فهذا المنكر للجهاد كشرع؛ هذا هو الكافر، أما الذي يعتقد أنه يجب أن يجاهد، لكن الله يعينا وليس عندنا الاستعداد كما ينبغي وريثما نستعد ... إلى آخره وهو يستطيع أن يستعد فيكون آثمًا) [39] .
-وحكامنا حين تركوا الجهاد بنوعيه لم يقولوا: (الله يعينا) أو: (نحن مقرون بوجوب الجهاد لكن ليس عندنا القدرة) ، إنما هم من النوع الأول الذي حكم الشيخ بكفره؛ ذلك أنهم لا يقرون بمبدأ الجهاد لنشر الإسلام ويسخرون ممن ينادي بذلك، وهم يقرون بدلًا من ذلك بما قررته الأمم المتحدة من أنه لا يجوز استعمال القوة إلا دفاعًا، ومع ذلك فحتى الجهاد الدفاعي ضد اليهود قد أغلقوا بابه وقد أعلن حاكم مصر السابق أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب بيننا وبين اليهود، ولا يزال حكامنا الحاليون يرددون أن السلام خيارهم الوحيد، ولو كانوا ممن يقرون بالجهاد ولكنهم يقولون (الله يعينا) على حد تعبير الشيخ لتركوا غيرهم يجاهد، ولكنهم على العكس من ذلك لا يفتأون يعادون من ينادي بالجهاد لتحرير فلسطين ويتعاونون مع حكومة اليهود في القضاء على المجاهدين.
وبعد ...
فهذا غيض من فيض مما يمكن أن يقال عن حكامنا وبيان أنه لا يمكن أن يقال في شأنهم إنهم تركوا الحكم بما أنزل الله لشهوة نفس أو هوى قلب، بل هو إيثار لأهواء أهل الأرض على شريعة رب الأرض والسماء، ومثل هؤلاء لا يستقيم عند أهل الحق أن يوصف كفرهم بالكفر الأصغر بل هو الكفر الأكبر والردة السافرة، والله أعلم.
وأخيرًا:
فلعل القاريء يلحظ تركيزنا على حكام مصر فهم الذين عرفناهم وخبرنا أحوالهم، وما نحسب غالبية حكام المسلمين اليوم إلا أمثالهم ومع ذلك فمن وجدناه من هؤلاء الحكام غير متلبس بما أسلفنا من صفات الكفر فليس داخلًا في ما ذكرناه، هذا مع العلم بأن من حكام المسلمين اليوم من هو كافر بأصل مذهبه ومعتقده أو فكره المخالف للشرع بغض النظر عن قضية الحكم، وذلك كمن يعتقد بمذهب النصيرية، أو من ينكر السنة، أو من يدين بمباديء حزب البعث.
والله أعلم.
[38] المدارج: 1/ 337
[39] فتاوى الشيخ الألباني ص: 303 - 304