ثالثًا: أقوال العلماء المعاصرين في أن أثر ابن عباس لا ينطبق على حكام عصرنا
لقد كان حديثنا في النقطتين السابقتين حول التشريع من دون الله وبيان أنه كفر أكبر، ثم حول القوانين الوضعية وبيان أنها كفر صريح، ونريد الآن أن نخوض في مسألة أكثر خصوصية وهي بيان أن قول ابن عباس لا ينطبق على حكام عصرنا وقوانينهم الوضعية الباطلة ونكتفي في هذه النقطة بنقل أقوال بعض أهل العلم المعاصرين ممن خبروا تلك القوانين وشاهدوا آثارها المدمرة، ومقصودنا هنا أن نبين للشيخ حفظه الله أننا لم نأت ببدع من القول حين ذكرنا أن قول ابن عباس غير وارد فيمن شرع للناس قانونًا ما أنزل الله به من سلطان.
فنقول وبالله التوفيق:
1)قال الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر في عمدة التفسير (4/ 156 - 158) تعليقًا على أثر ابن عباس المشار إليه: (وهذه الآثار عن ابن عباس وغيره مما يلعب بها المضللون في عصرنا هذا من المنتسبين للعلم ومن غيرهم من الجرآء على الدين يجعلونها عذرًا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة التي ضربت على بلاد الإسلام. وهناك أثر عن أبي مجلز في جدال الإباضية الخوارج إياه فيما كان يصنع بعض الأمراء من الجور فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة عمدًا إلى الهوى أو جهلًا بالحكم، والخوارج من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر، فهم يجادلون يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء ليكون ذلك عذرًا لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف، وهذان الأثران رواهما الطبري(12025) ، (12026) وكتب عليهما أخي السيد محمود محمد شاكر تعليقًا نفيسًا جدًا قويًا صريحًا ... ).
ثم ذكر الشيخ نص أولى الروايتين ثم قال: (فكتب أخي السيد محمود محمد شاكر بمناسبة هذين الأثرين ما نصه: اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام. فلما وقف على هذين الأثرين اتخذهما رأيًا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي عنها والعامل عليها ... ومن البين أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية إنما كانوا يريدون أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء لأنهم في معسكر السلطان ولأنهم ربما عصوا أو ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه، ولذلك قال لهم في الخبر الأول(12025) :"فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا"، وقال لهم في الخبر الثاني:"إنهم يعملون بما يعملون ويعلمون أنه ذنب"وإذن فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه عليه الصلاة والسلام فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه ... فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابها، وصرفها إلى غير معناها رغبة في نصرة سلطان أو احتيالًا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله، أن يستتاب، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ورضي بتبديل الأحكام فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين).
فهذا الكلام من الشيخ أحمد شاكر وإقراره لكلام أخيه واضح وضوح الشمس في التفرقة بين الحال التي قصدها ابن عباس وأبو مجلز والحال التي نحن فيها الآن، وأن كلامهما وارد في أمراء الجور الذين يحكمون في قضية أو قضايا بغير ما أنزل الله مع كون الشريعة التي يحتكمون إليها هي شريعة الإسلام، وليس واردًا في من سن للناس قانونًا مخالفًا لشرع الله وألزمهم بالتحاكم إليه.
2)ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:(وما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية من رواية طاووس وغيره يدل على أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة، أما الأول وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع ...
الخامس وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعدادًا وإمدادًا وإرصادًا وتأصيلًا ... فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتي كالقانون الفرنسي والقانون الأمريكي والقانون البريطاني وغيرها من القوانين ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك ... فأي كفر فوق هذا الكفر وأي مناقضة للشهادة بأن محمدًا رسول الله بعد هذه المناقضة ... ).
إلى أن قال رحمه الله: (وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يخرج من الملة فقد تقدم أن تفسير ابن عباس ... قد شمل ذلك القسم ... وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى) [35] .
وقد مر بنا من قبل حكم الشيخ بأن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين في الحكم بين العالمين، فالشيخ رحمه الله يبين أن اتخاذ قانون مخالف لشرع الله والخضوع له كفرأكبر مخرج من الملة وأن الكفر الأصغر المفهوم من كلام ابن عباس إنما هو في حق من حملته شهوته على الحكم بغير ما أنزل الله في قضية أو قضايا مع اعترافه بالتقصير وعدم اتخاذه قانونًا مخالفًا لشرع الله.
3)وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (هل هناك فرق بين المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي وبين المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا؟) ، فأجاب حفظه الله: (نعم هناك فرق، فإن المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا لا يتأتى فيها التقسيم السابق، وإنما هي من القسم الأول فقط، لأن هذا المشرع تشريعًا يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد كما سبقت الإشارة إليه) [36] . وقول الشيخ: وإنما هي من القسم الأول فقط: أي من القسم الذي نفى الله عنه الإيمان فهو من الكفر الأكبر المخرج من الملة [37] .
وإذن فهذا الذي يعتبره الشيخ تأويلًا هزيلًا ليس مجرد قول خال عن الدليل يلقيه بغير علم بعض الجهال ممن يسميهم الشيخ ومن معه بخوارج العصر، وإنما هو قول المحققين من علماء أهل السنة والجماعة في عصرنا ممن خبر تلك القوانين وعرف مناقضتها لكتاب الله وسنة رسوله.
بل إنني أدعو الشيخ الألباني إلى أن يتأمل عبارة الإمام ابن القيم عند حديثه عن الاختلاف في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} حيث قال رحمه الله في مدارج السالكين (1/ 337) : (والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانًا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه بأنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين) أهـ
والمقصود هنا هو التأمل في قوله رحمه الله (في هذه الواقعة) فهو يتحدث عن واقعة يقضي فيها الحاكم بغير ما أنزل الله، أي أنه يعني بالتفصيل المذكور حالة القضاء أو إصدار أمر في واقعة بعينها ولا يقصد التشريع العام، إذ إنه لو قصد التشريع لما كان لقوله (في هذه الواقعة) معنى لأن المشرع لا يشرع لواقعة بعينها بل يشرع حكمًا عامًا يلتزم به الناس في حياتهم، وهذا يؤكد صحة ما قلناه من أن قول ابن عباس يتناول حالة القضاء لا حالة التشريع.
والله أعلم.
[35] رسالة تحكيم القوانين ص:15 - 24
[36] مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (2/ 144)
[37] راجع المصدر نفسه 2/ 141