الصفحة 9 من 21

ثانيًا: الأدلة على أن القوانين الوضعية كفر بواح

لقد كان ما سبق بيانًا لحكم التشريع من دون الله بصفة عامة، ونريد الآن أن نتحدث بصفة خاصة عن القوانين الوضعية التي ألزم حكامنا الناس بالتحاكم إليها لنبين - لمن لا يعلم - أنها أحلت الحرام وحرمت الحلال وبدلت الشرع مما يعني أنها كفر وردة باتفاق الفقهاء كما سبق نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وسأكتفي هنا بذكر أمثلة قليلة توضح ما أقول:

أ) فأما تحليل الحرام فإن قانون العقوبات المصري يخلو من نص يحرم الزنا إذا وقع من غير متزوج أو غير متزوجة، ومعنى ذلك أن الزنا في هذه الحالة مباح لأننا نعلم أن القاعدة عند أهل القانون أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وأيضًا فإن الزنا إذا وقع من الزوج في غير منزل الزوجية فإنه مباح في قانون العقوبات المصري.

لأنه ينص في مادته السابعة والسبعين بعد المئتين على أن: (كل زوج زنى في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة يجازى بالحبس مدة لاتزيد عن ستة أشهر) .

كما أن الزنا إذا وقع من الزوجة برضا زوجها فإنه لا يعد جريمة يعاقَب عليها لأن المادة الثالثة والسبعين بعد المئتين من قانون العقوبات تنص على أنه: (لا تجوز محاكمة الزانية إلا بناء على دعوى زوجها ... ) .

كما أن الدستور المصري وقانون العقوبات يخلوان تمامًا من الإشارة إلى حد الردة ومعنى ذلك أن ارتداد المسلم عن دينه مباح عند هؤلاء القوم لما أسلفنا من أن القاعدة عندهم أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وقس على ذلك الكثير مما حرمه الله ورسوله وسكت عنه الدستور والقانون فصار مباحًا عندهم، بل إن هناك من القوانين ما ينص صراحة على إباحة ما حرمه الله ومثال ذلك المادة (226) من القانون المدني المصري التي تبيح بل تلزم بدفع الفوائد (أي الربا) علي التأخير في سداد الديون، وذلك حيث نصت على أنه: (إذا كان محل الالتزام مبلغًا من النقود وكان معلوم المقدار وقت الطلب وتأخر المدين في الوفاء به كان ملزمًا بأن يدفع للدائن على سبيل التعويض عن التأخير فوائد قدرها 4% في المسائل المدنية، 5% في المسائل التجارية، وتسري هذه الفوائد من تاريخ المطالبة القضائية بها وهذا ما لم ينص القانون على غيره) .

كما تنص المادة (228) مدني على أنه: (لا يشترط لاستحقاق فوائد التأخير قانونية كانت أو اتفاقية أن يثبت الدائن ضررًا لحق به من هذا التأخير) .

ب) وأما تحريم ماأحله الله فمثاله المادة (201) من قانون العقوبات المصري والتي تنص على أن: (كل شخص ولو كان من رجال الدين أثناء تأدية وظيفته ألقى في أحد أماكن العبادة أو في حفل ديني مقالة تضمنت قدحًا أو ذمًا في الحكومة أو في قانون أو في مرسوم أو قرار جمهوري أو في عمل من أعمال جهات الإدارة العمومية أو أذاع أو نشر بصفة نصائح أو تعليمات دينية رسالة مشتملة على شيء من ذلك يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين ... ) .

فهذه المادة تجعل النصيحة الدينية التي هي واجب شرعي غير جائزة وتعاقب من أقدم عليها، وهذا تحريم صريح لما أحله - بل لما أوجبه - الله تعالى.

ج) وأما تبديل شرع الله فأمثلته كثيرة منها:

نص المادة (274) من قانون العقوبات التي تنص على أن: (المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، لكن لزوجها أن يوقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرته لها كما كانت) .

وأما الزوج الزاني فقد سبق أن المادة (277) تنص على أنه إذا زنى في منزل الزوجية فإنه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر، وفي هذا كله تبديل لحد الرجم، كما أن إعطاء الزوج حق إيقاف العقوبة في حالة زنى الزوجة تبديل لشرع الله أيضًا، وغير ذلك كثير.

د) ويكفي أن نعلم هنا أن حق التشريع قد أعطي لغير الله عزّ و جل فقد نصت المادة (86) من الدستور المصري على أنه: (يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع .. ) ، والتشريع كما أسلفنا حق خالص لله عزّ و جل لا يجوز أن ينازعه فيه أحد، والمادة المشار إليها لم تقيد سلطة المجلس في التشريع بأي قيد فلم تقل مثلًا: (فيما لا يخالف الشريعة) ، ومعنى ذلك أنهم يشرعون ما يشاؤن أو ما يشاء حاكم البلاد.

ومن أجل ذلك قلنا إن هذه القوانين الوضعية مناقضة لشرع الله بل إنها محادة له أكبر المحادة، وإن من سنها فقد كفر ومن رضي بها وحمل الناس على التحاكم إليها فقد كفر.

وقد تفطن إلى هذا الذي قلناه كثير من علماء العصر فبينوا خطورة هذه القوانين الوضعية وبينوا أنها كفر صريح مخرج من الملة، وإني أسوق هنا طائفة من أقوالهم في ذلك لعلها تقنع الشيخ الألباني بأن ما نقوله ليس قول الخوارج وليس مخالفًا لقول الفرقة الناجية التي نسأل الله أن يثبتنا على معتقدها حتى نلقاه إنه جواد بر كريم:

1)فمن هؤلاء العلماء: العالم الجليل الشيخ محمد بن إبراهيم حيث قال في رسالة تحكيم القوانين: (إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد عليه الصلاة والسلام ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله عزّ و جل: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا} ... ) [28] .

ويقول أيضًا في نفس الرسالة: (فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب والناس إليها أسراب إثر أسراب يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون وتلزمهم به وتقرهم عليه وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر وأي مناقضة للشهادة بأن محمدًا رسول الله بعد هذه المناقضة) [29] .

2)ويقول الشيخ أحمد شاكر تعليقًا على ما سبق نقله من كلام ابن كثير حول الياسق الذي كان يتحاكم إليه التتار: (أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير - في القرن الثامن - لذاك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الإسلام جنكز خان؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفًا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمان سريعًا فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالًا وأشد ظلمًا منهم لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذاك الياسق الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر ... إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنًا من كان في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها فليحذر امرؤ لنفسه وكل امريء حسيب نفسه ... ) [30] .

3)وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان (4/ 92) عند الحديث عن قوله تعالى {ولا يشرك في حكمه أحدًا} الكهف:26، قال بعد أن ذكر طائفة من الآيات الدالة على أن التشريع من دون الله كفر: (وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله على بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم) .

4)ويقول الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي في حاشيته على زاد المستقنع المسماة بالسلسبيل في معرفة الدليل: ( ... فالحكم بالقوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية إلحاد وكفر وفساد وظلم للعباد، فلا يسود الأمن ولا تحفظ الحقوق الشرعية إلا بالعمل بشريعة الإسلام كلها عقيدةً وعبادةً وأحكامًا وأخلاقًا وسلوكًا ونظامًا، فالحكم بغير ما أنزل الله هو حكم بعمل مخلوق لمخلوق مثله، هو حكم بأحكام طاغوتية ... ولا فرق بين الأحوال الشخصية والعامة والخاصة فمن فرق بينها في الحكم فهو ملحد زنديق كافر بالله العظيم) [31] .

5)وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في رسالة (نقد القومية العربية) : (الوجه الرابع من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولابد إلى رفض حكم القرآن لأن القوميين من غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكامًا وضعية تخالف حكم القرآن حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام وقد صرح الكثير منهم بذلك كما سلف، وهذا هو الفساد العظيم والكفر المستبين والردة السافرة ... ) [32] .

6)وقال الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله: (من أصدر تشريعًا عامًا ملزمًا للناس يتعارض مع حكم الله فهذا يخرج من الملة كافرًا) [33] أهـ

7)وقال الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله في تعليقه على كتاب فتح المجيد (ص 275 - 276) : (الذي يستخلص من كلام السلف رضي الله عنهم أن الطاغوت كل ما صرف العبد وصده عن عبادة الله وإخلاص الدين والطاعة لله ولرسوله ... ويدخل في ذلك ولا شك الحكم بالقوانين الأجنبية عن الإسلام وشرائعه وغيرها من كل ما وضعه الإنسان ليحكم به في الدماء والفروج والأموال وليبطل بها شرائع الله من إقامة الحدود وتحريم الربا والزنا والخمر ونحو ذلك مما أخذت هذه القوانين تحللها وتحميها بنفوذها ومنفذيها، والقوانين والدساتير الوضعية نفسها طواغيت وواضعوها طواغيت ومروجوها طواغيت .. ) .

وقال في نفس المصدر (ص 387) تعليقًا على كلام ابن كثير في ياسق التتار: (ومثل هذا وشر منه من اتخذ كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله ولا ينفعه أي اسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها ... ) .

8)وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (من لم يحكم بما أنزل الله استخفافًا به أو احتقارًا له أو اعتقادًا أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ومن هؤلاء من يصنعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية، لتكون منهاجًا يسير عليه الناس، فإنهم لم يصنعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه) [34] .

وقال تعليقًا على شريط للشيخ الألباني قرر فيه أنه لا يحكم بكفر الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله إلا إذا اعتقد حل ذلك قال: ( ... ولكننا قد نخالفه في مسألة أنه لا يحكم بكفرهم إلا إذا اعتقدوا حل ذلك، هذه المسألة تحتاج إلى نظر لأننا نقول من اعتقد حل ذلك - حتى لو حكم بحكم الله، وهو يعتقد أن حكم غير الله أولى - فهو كافر كفر عقيدة. لكن كلامنا على العمل، وفي ظني أنه لا يمكن لأحد أن يطبق قانونًا مخالفًا للشرع يحكم فيه بعباد الله إلا وهو يستحله ويعتقد أنه خير من قانون الشرع هذا هو الظاهر، وإلا فما الذي حمله على ذلك؟ قد يكون الذي يحمله على ذلك خوف من أناس آخرين أقوى منه إذا لم يطبقه، فيكون هنا مداهنًا لهم، فحينئذ نقول هذا كافر كالمداهن في بقية المعاصي) . [من كتاب فتنة التكفير للعلامة الألباني مع تعليقات للشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين هامش ص28] .

9)وقال الشيخ صالح الفوزان في كتابه الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد (1/ 72) : (فمن احتكم إلى غير شرع الله من سائر الأنظمة والقوانين البشرية فقد اتخذ واضعي تلك القوانين والحاكمين بها شركاء لله في تشريعه قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله} وقال: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} ... ) .

وقال في نفس الكتاب (1/ 74) بعد نقله لكلام ابن كثير حول الياسق: (ومثل القانون الذي ذكره عن التتار وحكم بكفر من جعله بديلًا عن الشريعة الإسلامية مثله القوانين الوضعية التي جعلت اليوم في كثير من الدول هي مصادر الأحكام وألغيت من أجلها الشريعة الإسلامية إلا فيما يسمونه بالأحوال الشخصية ... ) .

10)ولو ذهبنا نستقصي كلام العلماء في هذه القوانين الوضعية وكفر من تحاكم إليها لوجدنا الكثير وفيما ذكرناه كفاية، غير أني أحب في ختام هذه النقول أن أحتج على الشيخ الألباني بما قاله هو نفسه وذلك حسبما ورد في كتاب (فتاوى الشيخ الألباني ومقارنتها بفتاوى العلماء) حيث جاء فيه في ص (263) نقلًاعن شريط يحمل الرقم الواحد والسبعين بعد المائة على لسان الشيخ متحدثًا عن حوار جرى بينه وبين أحد القساوسة: ( ... بينت له أن المسلمين ما كفروا أتاتورك لأنه مسلم، لا، لأنه هو تبرأ من الإسلام حينما فرض على المسلمين نظامًا غير نظام الإسلام، من جملتها مثلًا أنه سوى في الإرث بين الذكر والأنثى، والله يقول عندنا {للذكر مثل حظ الأنثيين} ثم فرض على الشعب التركي المسلم القبعة ... ) أهـ

فنحن نلاحظ هنا أن الشيخ قد دافع عن تكفير أتاتورك وعلل ذلك بأنه فرض على المسلمين نظامًا غير نظام الإسلام، وأقول فما الفارق إذن بين أتاتورك وغيره من الحكام الذين فرضوا أيضًا على الشعوب المسلمة نظامًا غير نظام الإسلام فيه إسقاط حد الردة وحد شرب الخمر وحد الزنا وحد السرقة وغير ذلك، وفيه أيضًا ما هو أشد من فرض القبعة على المسلمين ألا وهو فرض حلق اللحية على الضباط والجنود في الجيش والشرطة بحيث يحاكم أحدهم إذا أعفى لحيته، كما أن بعض الأنظمة العربية تحظر على النساء ارتداء الحجاب الشرعي، وفي مصر أصدر وزير التعليم منذ فترة قرارًا يمنع طالبات المدارس من تغطية رؤوسهن بالخمار الشرعي إلا أن تأتي الواحدة منهن بموافقة ولي أمرها أما ستر الوجه فقد منعه الوزير تمامًا معللًا ذلك بأنه لباس غير أخلاقي، إننا في الحقيقة لانجد فارقًا بين أتاتورك وغيره من هؤلاء الحكام الذين أشرنا إليهم وسنظل نقول ذلك حتى يأتينا الشيخ حفظه الله ببرهان على غير ذلك؟

والله المستعان.

[28] رسالة تحكيم القوانين ص: 5

[29] المصدر السابق ص20 - 21

[30] عمدة التفسير 4/ 173 - 174

[31] السلسبيل 2/ 384

[32] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز 1/ 309

[33] انظر عن كتاب أهمية الجهاد في نشر الدعوة لعلي بن نافع العلياني ص 196

[34] مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين 2/ 143

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت