الصفحة 4 من 21

لقد اعتمد الشيخ في كلامه على ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة: 44. من قوله رضي الله عنهما: (كفر دون كفر) ، أو (ليس الكفر الذي تذهبون إليه) .

وأقول:

قد وردت آثار عن ابن عباس في هذه الآية وفي بعضها إطلاق الكفر على من حكم بغير ما أنزل الله وفي بعضها الآخر ما يفيد التفصيل المشهور في تفسير الآية الكريمة.

أ) فقد أخرج وكيع في أخبار القضاة (1/ 41) : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: (سئل ابن عباس عن قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: كفى به كفره) .

وهذا الأثر صحيح الإسناد إلى ابن عباس رضي الله عنهما؛ رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ وكيع: الحسن بن أبي الربيع الجرجاني وهو ابن الجعد العبدي. قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي وهو صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات [11] ، وقال الحافظ في التقريب (1/ 505) : (صدوق) .

وبنفس إسناد وكيع أخرجه ابن جرير (12055) لكن بلفظ: (هي به كفر، قال ابن طاووس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه) ، فهذه الرواية صريحة في أن ابن عباس رضي الله عنهما قد أطلق الكفر في حق من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل وأن زيادة (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله) ليست من قول ابن عباس إنما هي من قول ابن طاووس.

ب) نعم قد جاءت الزيادة معزوة لابن عباس في رواية أخرى وهي التي أخرجها ابن جرير (12053) حدثنا هناد قال حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن معمر بن راشد عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: (هي به كفر وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله) .

وهذا إسناده صحيح أيضًا رجاله رجال الكتب الستة ما خلا هناد و ابن وكيع، فأما هناد فهو السري الحافظ القدوة روى عنه الجماعة سوى البخاري. وأما ابن وكيع فهو سفيان بن وكيع بن الجراح قال الحافظ في التقريب (1/ 312) : (كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل فسقط حديثه) أهـ غير أن ذلك لا يضر فقد تابعه هناد كما ترى.

والحاصل:

أن هذه الزيادة جاءت معزوة لطاووس في رواية عبدالرزاق بينما جاءت معزوة إلى ابن عباس في رواية سفيان الثوري مما قد يحمل على القول بأنها ليست من كلام ابن عباس وإنما جاءت مدرجة في رواية سفيان، وهذا محتمل خصوصًا وأن وكيعًا قد أخرج الأثر في أخبار القضاة بدون هذه الزيادة كما سبق، لكن لا يمكن الجزم بذلك فمن الممكن أن تكون الزيادة ثابتة من قول ابن عباس وابن طاووس كليهما وهو الأظهر والله أعلم.

ج) وقد أخرج الحاكم (2/ 313) من طريق هشام بن حجير عن طاووس قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون كفر دون كفر) .

قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد) . وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (2/ 62) من طريق هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: (ليس بالكفر الذي يذهبون إليه) .

وهشام بن حجير متكلم فيه فقد ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما [12] وأورده ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (7/ 2569) وكذلك أورده العقيلي في الضعفاء الكبير (4/ 238) ولم يوثقه إلا المتساهلون كالعجلي وابن سعد، وأخرج له البخاري ومسلم متابعة لا استقلالًا، فأما البخاري فلم يخرج له إلا حديثه عن طاوس عن أبي هريرة (6720) في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام وقوله (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة .. ) الحديث وقد أخرجه برقم (5224) بمتابعة ابن طاوس له عن أبيه عن أبي هريرة، وأما مسلم فقد روى له حديثين أحدهما حديث أبي هريرة السابق برقم (1654) وذلك أيضًا بمتابعة ابن طاوس عن ابيه في نفس الموضع، والحديث الثاني هو حديث ابن عباس قال: (قال لي معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة بمشقص ... الحديث) فقد أخرجه برقم (1246) من طريق هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس وقد تابعه في نفس الموضع الحسن بن مسلم عن طاوس، وقال أبوحاتم: يكتب حديثه (تهذيب التهذيب6/ 25) أي وينظر هل توبع فيقبل حديثه أم لا فيرد؟

قلت: وهذا الحديث مما لا نعلم له فيه متابعًا، ففي النفس من صحته شيء وإن صححه الحاكم فإنه معروف بتساهله رحمه الله.

د) وأخرج ابن جرير (12063) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق) .

وهذا منقطع فإن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس كما أنه متكلم فيه [13] وفيه أيضًا عبدالله بن صالح كاتب الليث وقد اختلف فيه والأكثرون على تضعيفه.

قلت: فتحصل من ذلك أن مما ينسب إلى ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية ما لا يصح سنده ومنه ما يصح، وما صح عنه ففي بعضه إطلاق الكفر على من حكم بغير ما أنزل الله بغير تفصيل وفي بعضه زيادة (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله) ، وإن كانت قد ثبتت أيضًا من قول ابن طاووس كما أسلفنا.

وإذن فالوارد عن ابن عباس رضي الله عنهما لا يخلو من كلام وأخذ ورد وعليه فإنه لو افترضنا أن مسلمًا قد وقف عند ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما من إطلاق الكفر على من حكم بغير ما أنزل الله لكان له عذره في ذلك، نقول هذا مع ميلنا كما أسلفنا إلى ثبوت الزيادة المذكورة آنفًا عنه.

[11] انظر تهذيب التهذيب 1/ 515

[12] انظر تهذيب التهذيب 6/ 25

[13] انظر تهذيب التهذيب 4/ 213 - 214

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت