الصفحة 5 من 21

وذلك أن الشيخ الألباني قد اعتبر ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما هو قول السلف والمفسرين بل الفرقة الناجية كلها في المسألة، ولكن الواقع غير ذلك فقد ثبت اختلاف السلف رضوان الله عليهم في ذلك فمنهم من حمل الكفر الوارد في الآية على الكفر الأكبر دون تفصيل.

-فقد أخرج ابن جرير في تفسيره (12061) : حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا هشيم قال أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن علقمة ومسروق: (أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال: من السحت. قال فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر. ثم تلا هذه الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ) .

وهذا الأثر صحيح الإسناد إلى ابن مسعود رضي الله عنه: رجاله ثقات رجال الكتب الستة [14] .

-وأخرج أبويعلى في مسنده (5266) عن مسروق قال: (كنت جالسًا عند عبدالله(يعني ابن مسعود) فقال له رجل: ما السحت؟ قال: الرشا. فقال: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر ثم قرأ {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} )، وأخرجه البيهقي (10/ 139) ووكيع في أخبار القضاة (1/ 52) ، وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (2/ 250) ونسبه لمسدد، ونقل الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على المطالب العالية قول البوصيري: (رواه مسدد وأبويعلى والطبراني موقوفًا بإسناد صحيح والحاكم وعنه البيهقي ... ) .

والأثر أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 199) وقال: (رواه أبويعلى وشيخ أبي يعلى محمد بن عثمان لم أعرفه"أهـ قال الشيخ الأعظمي في تعليقه على المطالب العالية(2/ 250) جوابًا على ما قاله الهيثمي: (إن لم يعرف محمد بن عثمان فلا ضير لأن فطرًا شيخه تابعه شعبة عند الحاكم والبيهقي وتابع محمد بن عثمان مكي بن إبراهيم عند البيهقي ... ) ."

قلت: هذا بافتراض صحة ما جاء في مسند أبي يعلى من قول أبي يعلى: (حدثنا محمد بن عثمان عن عمر"وإلا فقد ذكر الشيخ الأعظمي في نفس الموضع أن الذي في المسندة"ثنا محمد ثنا عثمان بن عمر) . وقد جزم محقق مسند أبي يعلى بأن الصواب"محمد عن عثمان بن عمر"وأن ما جاء في المسند تحريف ثم قال: (وعثمان بن عمر هو العبدي) [15] . قلت: عثمان بن عمر العبدي ثقة من رجال الستة [16] .

وأخرج الطبراني في الكبير (9/ 226) (9100) عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: (الرشوة في الحكم الكفر وهي بين الناس سحت) ، قال الهيثمي في المجمع (4/ 199) : (ورجاله رجال الصحيح) أهـ.

وأخرجه وكيع في أخبار القضاة (1/ 52) بلفظ: (الهدية على الحكم الكفر وهي فيما بينكم السحت) .

قلت: فهذه الآثار عن ابن مسعود رضي الله عنه فيها التفرقة بين الرشوة التي تكون بين الناس عامة والرشوة التي تكون للحكام أو القضاة خاصة؛ فالأولى سحت والثانية كفر، ولاشك أنه يقصد بالكفر هنا الكفر الأكبر وذلك لأمرين:

الأول: أنه أطلقه من غير تقييد والكفر إذا أطلق انصرف إلى الأكبر كما هو معلوم.

والثاني: أنه جعله في مقابلة السحت وهو كفر أصغر فيكون ما جعل في مقابله كفرًا أكبر، قال الجصاص في أحكام القرآن (2/ 433) : (وقد تأول ابن مسعود ومسروق السحت على الهدية في الشفاعة إلى السلطان وقال: إن أخذ الرشا على الأحكام كفر) .

ويؤكد ما ذكرناه من إثبات الخلاف في ذلك ما ذكره الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (1/ 336 - 337) حيث قال: ( ... قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وكذلك قال طاووس ... ومنهم من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدًا له وهو قول عكرمة وهو تأويل مرجوح فإن نفس جحوده كفر سواء حكم أو لم يحكم، ومنهم من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله ... ومنهم من تأولها على الحكم بمخالفة النصوص تعمدًا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل حكاه البغوي عن العلماء عمومًا، ومنهم من تأولها على أهل الكتاب ... ومنهم من جعله كفرًا ينقل عن الملة) أهـ

وهذا الذي نقله ابن القيم رحمه الله صريح في أن قول ابن عباس الذي جعله الشيخ عمدةً فيما ذهب إليه ليس القول الوحيد في المسألة، بل من السلف من جعل الكفر في الآية كفرًا أكبر ينقل عن الملة ومنهم من قال بغير ذلك.

وعلى ذلك فلو قال قائل إن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر كفرًا أكبر يخرج من الملة لكان له سلف فيما ذهب إليه، والله أعلم.

نقول هذا مع اعتقادنا أن الصواب في المسألة أن الكفر هنا يشمل الكفرين الأكبر والأصغر بحسب حال الحاكم فإنه إن حكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بوجوب تحكيم شرع الله معترف بأنه عاصٍ مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر، وإن حكم بغير ما أنزل الله مستهينًا بشرع الله أو معتقدًا أن شرع غيره أفضل منه أو مثله أو أنه مخير في ذلك فكل ذلك ونحوه كفر أكبر وهذا هو الذي قرره ابن القيم كما سيأتي بمشيئة الله وهو معنى كلام ابن عباس رضي الله عنهما، لكنا مازلنا نقول: إن هذا في حاكم قضى في واقعة أو وقائع بغير شرع الله مع كون الشريعة الحاكمة له هي شريعة الإسلام أما الذين يشرعون من دون الله ويحاكمون الناس إلى قوانين ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان ففعلهم هذا كفر أكبر مخرج من الملة غير داخل في هذا التقسيم.

وهذا الذي سنتكلم عنه بعد قليل بمشيئة الله تعالى بشيء من التفصيل ...

[15] انظر مسند أبي يعلى الموصلي تحقيق حسين سليم أسد 9/ 173 - 174

[16] تهذيب التهذيب 4/ 92 - 93

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت