المقدمة الثالثة؛ ليس ما قلناه تأويلًا
إننا نقول:
إننا حين فرقنا بين من حكم في واقعة أو وقائع بغير شرع الله، وبين من شرع من دون الله وحملنا كلام ابن عباس رضي الله عنهما على حالة القضاء وليس على حالة التشريع فإن هذا الذي عمدنا إليه ليس تأويلًا كما ذكر الشيخ - غفر الله لنا وله - بل هو حمل للفظ على أصل معناه في اللغة؛ ذلك أن معنى الحكم في اللغة هو القضاء كما في القاموس المحيط (4/ 98) .
وهو في الاصطلاح القرآني قد يأتي أيضًا بمعنى القضاء كما في قوله تعالى: {و أن احكم بينهم بما أنزل الله} المائدة:49، وقوله {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} البقرة: 188.
وقد يأتي الحكم في القرآن بمعنى القدر وهو الذي يسميه العلماء الحكم الكوني القدري كما في قوله تعالى: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} يوسف: 108.
وقد يأتي بمعنى التشريع وهو الذي يسميه العلماء الحكم الشرعي، كما في قوله تعالى: {إن الله يحكم ما يريد} المائدة:1 [17] .
وكلام ابن عباس رضي الله عنهما وارد في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة 44. فحين نقول إن ابن عباس رضي الله عنهما يعني هنا الحكم الذي بمعنى القضاء لا الذي بمعنى التشريع فإننا لا نكون قد تأولنا؛ لأن التأويل المقصود هنا هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر، فهل صرفنا نحن لفظ الحكم عن معناه الظاهر أم رددناه إلى أصل معناه وهو القضاء؟!
بل إني وجدت لابن عباس نفسه ما يفيد إطلاقة الحكم بمعنى القضاء وذلك فيما أخرجه الطبراني في الكبير (10/ 226) (10621) عن ابن بريدة الأسلمي قال: (شتم رجل ابن عباس، فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وفيَّ ثلاث خصال، إني لآتي على الآية من كتاب الله عز وجل فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلّي لا أقاضي إليه أبدًا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح ومالي به من سائمة) .
قال الهيثمي في المجمع (9/ 284) : (ورجاله رجال الصحيح) .
قلت: والشاهد من ذلك قوله: ( ... بالحاكم من حكام المسلمين يعدل ... ) ، مع قوله: (ولعلّي لا أقاضي إليه أبدًا) فذلك يدل على إطلاقة الحكم بمعنى القضاء.
وعلى كل حال فإن اللفظ إذا كان يقع على عدة معانٍ فاختيار أحدها لا يعدُّ تأويلًا مجال.
والله أعلم.
[14] انظر تهذيب التهذيب 6/ 240، 6/ 41 - 43، 3/ 497 - 498، 2/ 380
[17] ينظر في بيان الحكم الكوني والحكم الشرعي شفاء العليل لابن القيم: ص270 - 283 وشرح الطحاوية 2/ 658
س