الصفحة 8 من 15

لا بد أن في الأمر سرًا خافيًا، وبما أنني لستُ في الساحة العملية فليس من الحكمة الجزم بالحُكْم، ولأن أميرَ جماعة التوحيد والجهاد صاحب تجربة قديمة من أيام أفغانستان فلا يُظَنُّ به أنه يَخْفَى عليه مثلُ هذا الأمر الواضح ... إلخ ...

فعندها تهدأ التصادماتُ الفكريةُ عندي ثم تَعودُ أفكارُ التشويشِ مرةً أخرى مع خروج بعض الكتابات لرموز التيارِ الجهاديِّ تُلَمِّحُ إلى قريبِ التصريحِ باستنكارِ صنيع الشيخ"الزرقاوي"من الناحية العملية، كسياسةٍ شرعيَّةٍ، ثم لا أَلْبَثُ أنْ أُشَوِّشَ على بَثِّ أفكارِ التشكيكِ مرةً أخرى، ... وهكذا بينَ مدٍّ وجَزْرٍ فكريٍّ يَتْرُكُ سفينةَ القَرارِ بلا قَرار [1] .

أعترف آسفًا أنني كنتُ كثيرًا ما أضرب-من دون شعور أو انسياقًا رغمًا عني مع تيار الإعلام الهادر- أضرب مبادئنا الإسلاميةَ التي دَرَج عليها علماؤنا الأوائل وقرَّرَتْها كتبُ أهلِ"مصطلح الحديث"من أهل الاختصاص فيما يتعلق بضوابط التوثق من الخبر ... كنت أضربها عُرْضَ الحائط! ومن هذه المبادئ المعروفة:

* {يا أيها الذين آمنوا إنْ جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيَّنوا} . سورة الحجرات.

* (كفى بالمرء كَذِبًَا أن يُحَدِّث بكل ما سَمِع) [2] .

ومع أن الحقيقة أكبر مظلوم على وجه الأرض، إلا أن الله يأبى إلا أن يَكْشِف شيئًا قبل يوم الحساب قبل أن يُبَعْثَرَ ما في القبور ويُحَصَّلَ ما في الصدور.

حتى تشابكت الأحداث وساقَتْني رياحُ الأقدارِ العجيبةُ لألتقيَ بالشيخ"الزرقاوي"على نحوِ ما بَيَّنْتُ في الحلْقةِ الأولى من سلسلة"خفايا التاريخ".

وراحت الحقائق الموءودة تُخْرَج من قبر المجهول واحدة واحدة؛ فمنها ما يَقْلَع الأفئدة، ومنها ما يكسر الضلوع، ومنها ما يثير التساؤلات، ومنها ما يحرك شفتيك ويرفع حاجبيك تعجبًا رغمًا عنك، ومنها ما يُخرج من صدرك نفثة مصدور، أو زفرة مكلوم، ... وهلم جرًا، حتى ازددتُ يقينًا بعدالة تلك الكلمة وإنصاف من يطبقها:

"من جاءك وقد فُقِئَتْْ عينُه فلا تَحْكُمَنَّ له حتى ترى خصمه فلعله فُقِئَتْ عيناه".

(1) المراد من كلمة"القرار"الأولى أي اتخاذ القرار في الذهن، والمراد من"قرار"الثانية الاستقرار دون تزعزع.

(2) أخرجه مسلم في مقدمته، وفي رواية (إثمًا) بدل (كذبًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت