كما حصل للإمام النووي رحمه الله، اقتنى كتاب القانون لابن سينا فأصيب بنوع من الكآبة فتخلص منه، كما ذكر الذهبي ذلك في تذكرة الحفاظ.
هذا على المستوى الحسي، أما على المستوى المعنوي فهي شقاء العقل، ورياضة فكره، وسبيل تتوره ونباهته، حيث أنها تصقل الذهن، وتدربه، وتورثه الدقة والضبط، وحب الاستفهام والاستزادة .. ومن جربها ذاق حلاوتها، وكيف أنها تدفع بأهليها إلى الجد، والجلَد، وطلب الحواشي والتعليقات. وقد قال ابو العباس بن سريج في مختصر المزني:
لصيقُ فوآدي منذ عشرين حجة وصيقل ذهني والمفرج عن همي
جَموع لأنواع العلوم بأسرها ... فأخلق به أن لا يفارقه كمي
ز- وصفه أرباب الهمم الحفاظ (بالجرادة الصفراء) من ديمة التكرار!!! والله هذا أعز وصف وأحسنه وأبهاه، وليتنا مثل هؤلاء؟؟ كالجرادة الصفراء من شدة العيش، وحب العلم، والانقطاع للحفظ لا كغيرهم من التخمة في غرف الباطنية على حد تعبير الشيخ في مرحلته السابقة ...
وها هنا يقول الزبيدي:
قلتُ للفقر أين أنت مقيمٌ ... قال في عمائم الفقهاء؟!
إنَّ بيني وبينهم لإخاءً ... وعزيزٌ علي قطع الإخاء!
والجرادة الصفراء، إنما تكونت ياشيخ عائض من دوام التكرار، وحب المتون، وشدة الفقر، والتعزر بالعلم، والزهد في الدنيا ... وقد قال شاعر شنقيطي اسمه محمد بن حنبل الموريتاني وهو من العلماء الكبار:
لا تسوءْ بالعلم ظنا يا فتى ... إن سوء الظن بالعلم عطبْ