إليه القائلون بجواز الإجارة وأخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره من علوم الشريعة، وذلك لما استدل به أصحاب هذا المذهب من السنة والوجه الثاني من معقولهم، ولا حجة في الاستدلال بالآثار المروية عن الصحابة في هذه المسألة لأنها متعارضة، فتتساقط ولا يحتج بها، ولا وجه للاستدلال بإجماع أهل المدينة أو غيرهم في هذه المسألة لثبوت الخلاف بين فقهاء المدينة وغيرهم على النحو السابق، ولا تلازم بين أخذ الرزق من بيت المال على ذلك وأخذ الأجرة عليه من آحاد المسلمين، ولهذا فإن الاستدلال بالوجه الأول من معقولهم لا يفيدهم في تعضيد مذهبهم، ولا ينال من حجية ما استدلوا به من السنة ما ورد عليها من اعتراضات، فإن ما اعترض به على الاستدلال بحديثي الرقية يمكن دفعه، بأن يقال: إن التفريق في الحكم بين أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن، وأخذها على تعليمه وغيره من علوم الشريعة تحكم بلا دليل شرعي، بل إن الدليل قد قام على خلافه، وهو ما جاء في حديث ابن عباس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد أنكروا على من أخذ أجرًا على كتاب الله تعالى:"إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله"، وعموم هذا النص يدل على جواز أخذ الأجرة على كتاب الله تعالى مطلقًا، سواء كانت الأجرة في مقابل تلاوته، أو الرقية به أو تعليمه، أو نسخه، أو بيان أحكامه، أو غير ذلك من أعمال تتعلق بالكتاب الكريم، فهذا اللفظ صادق على ذلك كله.
أما ما استدل به أصحاب المذهب الثاني من السنة فقد اعترض على الاستدلال بها بعض العلماء، وقد أجاب العيني على هذه الاعتراضات بأن بعض هذه الأحاديث صحيح، وبعضها الآخر وإن كان فيه مقال إلا أنها تعضد بعضها، وإذا سلمنا بصحتها فإنه يترتب على ذلك معارضتها للأحاديث الصحيحة التي استدل بها أصحاب المذهب الأول، لذا كان لابد من التوفيق بينها، وفي معرض التوفيق بينهما لا نقول كما قال العيني: إذا جاء دليل الحظر بعد دليل الإباحة دل هذا على نسخ المحرم للمبيح، ولكنا نقول كما قال كثير من العلماء: إن الأحاديث الدالة على المنع من أخذ الأجرة على التعليم قضايا أعيان، تحتمل احتمالات عدة، فيحتمل أن يكون تعليم من علموا فيها قد تعين على من قام به، فكان الوعيد على أخذ الأجرة منهم، لأنه لا يجوز لمن علمهم أن يأخذ منهم أجرًا عليه، ويحتمل أن يكون تعليم هؤلاء