هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون أخذ الأجر على قراءة القرآن أو تعليمه، وهذا لا يكون منهم إلا عن توقيف، لأنه لا مدخل للرأي في هذا.
1 -إن تعليم القرآن والعلوم الشرعية قربة إلى الله تعالى ولا يقع إلا لفاعله، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه بالشرط أو بغيره، لأن أخذ الأجرة عليه يخرجه عن أن يكون قربة، قياسًا على الصلاة والصيام.
2 -إن الجعل الذي يؤخذ على تعليم القرآن محرم كالجعل الذي يؤخذ على تعليم الصلاة، وذلك لأن كلًا منهما تعليم واجب على الناس، ولا يؤخذ على أداء الواجب أجر (38) .
3 -إن الاستئجار على تعليم القرآن والعلم سبب لتنفير الناس عن تعلمهما، لأن ثقل الأجر يمنعهم من ذلك، ولهذا أشار الحق سبحانه في قوله: أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون 46 صلى الله عليه وسلم القلم: 46، فيؤدي أخذ الأجر على ذلك إلى الرغبة عن الطاعات وهذا لا يجوز، وقد قال الحق سبحانه: وما تسألهم عليه من أجر 104 صلى الله عليه وسلم يوسف: 104، أي على ما تبلغ إليهم أجرًا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ بنفسه وبغيره، إذ يقول صلى الله عليه وسلم:"ألا فليبلغ الشاهد الغائب" (39) ، فكان كل معلم مبلغًا عنه، وإذا لم يجز له أخذ الأجرة على ما يبلغ بنفسه لما سبق، فكذا لا يجوز لمن يبلغ بأمره، لأن ذلك تبليغ منه معنى (40) .
المناقشة والترجيح:
بعد استعراض أدلة المذهبين، والاعتراضات الواردة على بعضها، وما أجيب به عن بعض هذه الاعتراضات، وما رد به بعض هذه الأجوبة، فإني أرى رجحان ما ذهب