الفصل الثاني
الاسم والمسمى
الاسم [1] والمسمى مسألة ترد في كتب العقائد، وهي من المسائل الحادثة التي وقع حولها خلاف كبير، وجدل كثير. ولم تعرف هذه المسألة إلا بعد انقضاء عصر الصحابة والتابعين حيث استحدث هذا المصطلح، وأنكر الأئمة على الجهمية قولهم: ... (الاسم غير المسمى) فأصبحت هذه المسألة تعرف ب (الاسم والمسمى) ، وأساس الخلاف هو: هل أن أسماء الله تعالى مخلوقة؟ أم غير مخلوقة؟، ومنشأ هذا الخلاف هو: هل أن كلام الله مخلوق؟ أم غير مخلوق؟.
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: (قاعدة في الاسم والمسمى)
(فَصْل في الاسم والمسمى هل هو هو، أو غيره؟ أو لا يقال: هو هو، ولا يقال: هو غيره؟ أو هو له؟ أو يفصل في ذلك؟
فإن الناس قد تنازعوا في ذلك، والنزاع اشتهر في ذلك بعد الأئمة، بعد أحمد وغيره، والذي كان معروفًا عند أئمة السنة أحمد وغيره: الإنكار على الجهمية الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة.
فيقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره وما كان غيره فهو مخلوق. وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق؛ بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء.
والجهمية يقولون: كلامه مخلوق، وأسماؤه مخلوقة، وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته، ولا سَمَّى نفسه باسم هو المتكلم به، بل قد يقولون: إنه تكلم به، وسمى نفسه بهذه الأسماء، بمعنى أنه خلقها في غيره، لا بمعنى أنه نفسه تكلم بها الكلام القائم به، فالقول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه.
والذين وافقوا السلف على أن كلامه غير مخلوق وأسماءه غير مخلوقة، يقولون: الكلام والأسماء من صفات ذاته، لكن هل يتكلم بمشيئته وقدرته، ويسمى نفسه بمشيئته وقدرته؟ هذا فيه قولان:
النفي: هو قول ابن كُلاَّب ومن وافقه.
والإثبات: قول أئمة أهل الحديث والسنة وكثير من طوائف أهل الكلام، كالهشامية والكَرّامية وغيرهم، كما قد بسط هذا في مواضع.
والمقصود هنا أن المعروف عن أئمة السنة إنكارهم على من قال: أسماء الله مخلوقة، وكان الذين يطلقون القول بأن الاسم غير المسمى هذا مرادهم؛ فلهذا يُروى عن الشافعي، [2] والأصمعي [3] وغيرهما أنه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة، ولم يعرف أيضًا عن أحد من السلف أنه قال: الاسم هو المسمى، بل هذا قاله كثير من المنتسبين إلى السنة بعد الأئمة، وأنكره أكثر أهل السنة عليهم. ثم منهم من أمسك عن القول في هذه المسألة نفيا وإثباتًا؛ إذ كان كل من الإطلاقين بدعة كما ذكره الخلال عن
(1) قُلتُ: قد يطلق الاسم فيراد به المسمى، فلو قُلتَ: الله فوق خلقه مستوٍ على عرشه. المراد به هنا المسمى، وإذا قلت: الله اسم عربي، فالاسم هنا غير المسمى أي اللفظ الدال على المسمى.
(2) الاعتقاد - البيهقي / أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا الحسن بن رشيق إجازة ثنا سعيد بن أحمد بن زكريا اللخمي ثنا يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي يقول إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة.
قلت: قال احمد بن إبراهيم في تحقيقه لكتاب (الاعتقاد للبيهقي) : في الأسناد أبو عبد الرحمن السلمي وهو متهم. إھ من ص 64.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: سَعِيْدٌ: مصرِيٌّ لاَ أَعْرِفُهُ. إھ من ج 19 / ص 19.
(3) اعتقاد أهل السنة - اللالكائي / 347 - وأخبرنا علي بن محمد بن إبراهيم الجوهري قال حدثنا الحسين بن إدريس القافلاني قال حدثنا حفص بن عمر السياري قال سمعت أبا سعيد الأصمعي يقول: إذا سمعته يقول الاسم غير المسمى فاحكم أو قال فاشهد عليه بالزندقة لفظهما سواء. إھ