فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 156

ليس للمطلق مسمّى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق.

ولا بدّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلّ عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى.

وكذلك سمّى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمّى بعض عباده عليمًا، فقال: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ} يعني إسحق، وسمّى آخر حليمًا، فقال: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} يعني إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.

وسمّى نفسه سميعًا بصيرًا، فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} وسمّى بعض خلقه سميعًا بصيرًا فقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير.

وسمّى نفسه بالرءوف الرحيم، فقال: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وسمّى بعض عباده بالرءوف الرحيم فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وليس الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم.

وسمى نفسه بالملك، فقال: {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} وسمّى بعض عباده بالملك، فقال: {وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} ، {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} وليس الملك كالملك.

وسمى نفسه بالمؤمن، فقال: {الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} وسمّى بعض عباده بالمؤمن، فقال: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ} وليس المؤمن كالمؤمن.

وسمّى نفسه بالعزيز، فقال: {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} ، وسمّى بعض عباده بالعزيز، فقال: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ} وليس العزيز كالعزيز.

وسمّى نفسه الجبار المتكبر، وسمّى بعض خلقه بالجبار المتكبر، فقال: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر.

ونظائر هذا متعددة.) [1]

الرابع عشر: أن الإسم والصفة من هذا النوع له ثلاث اعتبارات:

اعتبار من حيث هو، مع قطع النظر عن تقييده بالرب أو العبد.

الاعتبار الثاني: اعتباره مضافا إلى الرب مختصا به.

الثالث: اعتباره مضافا إلى العبد مقيدا به.

فما لزم الإسم لذاته وحقيقته، كان ثابتا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.

وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات، والبصير الذي يلزمه رؤية المُبْصَرات، والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها: حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها.

فما لزم هذه الأسماء لذاتها؛ فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل تثبت له على وجه لا يماثل فيه خلقه ولا يشابههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله. ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه، بل كما يليق بجلاله وعظمته؛ فقد بريء من فَرْث التشبيه ودَمِ التعطيل وهذا طريق أهل السنة.

وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله، كما يلزم حياة العبد من النوم والسِّنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك. وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به. وكذلك ما يلزم علوه من احتياجه إلى ما هو عال عليه، وكونه محمولا به مفتقرا إليه محاطا به، كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام تبارك وتعالى.

(1) التدمرية - تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع / ص20 - 24، تحقيق: د. محمد بن عودة السعوي، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة السادسة 1421هـ / 2000م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت