الصفحة 16 من 44

و الموقف الثاني يتعلق بقضية الاشتغال بعلم الكلام: و قد اختلف الحنابلة في حكم ممارسته، فاعتقد أبو أحمد البربهاري (ت"329هـ/ 940) [1] ، أن الكلام، طريق موصل إلى الزندقة، والكفر، والشكوك، وأن الإمام أحمد، لم يجادل، ولم يناظر، ولم يخاصم [2] . و أعلن ابن القزويني الحنبلي (ت442هـ/ 1050م) أمام جمع من أصحابه أن الجدال بدعة، وأن المتكلمين على ضلالة [3] . وذكر ابن عقيل (ت513هـ/ 1119م) ، أن الصحابة ماتوا ولم يعرفوا الكلام، وأن طريقتهم، أجود من طريقة المتكلمين [4] ، الذين انتهى بهم الأمر إلى الشبهات والشكوك [5] ."

وفي مقابل هؤلاء، قرر القاضي أبو يعلى، وأبو محمد رزق الله التميمي، مشروعية الكلام، وجواز المناظرة فيه [6] ، وتأليف الكتب للرد على المبتدعة [7] . و تمسكا بآثار رويت عن أحمد بن حنبل، في تأييد ما ذهبا إليه [8] ، وأشارا إلى أن المانعين، احتجوا بأخبار منسوخة تراجع عنها الإمام أحمد [9] .

ويعتبر كتاب الرد على الجهمية والزنادقة، لأحمد بن حنبل، دليلا ماديا على اشتغال إمام الحنابلة بالكلام، مما يضعف حجة الرافضين له مطلقا،

(1) أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق - ج2، ص: 39.

(2) نفسه.

(3) ابن الجوزي: المنتظم - ج8، ص: 96.

(4) سأل رجل ابن عقيل، هل أقرأ الكلام؟. فرد عليه: أنت مسلم سليم، فما تفقد، إن لم تعرف الجوهر، والعرض، ثم قال له:"وإني أقطع أن الصحابة-رضي الله عنهم-ماتوا وما عرفوا ذلك، فإن رأيت طريقة المتكلمين أجود من طريقة أبي بكر، وعمر، ... الإعتقاد، وقد أفضى علم الكلام بأبابه إلى الشكوك". (ابن مفلح: المصدر السابق-ج1،ص:230) . وقال معتزلي لابن عقيل:"لا مسلم إلا من إعتقد وجود الله، وصفاته على مايليق به"فرد عليه ابن عقيل، إن الرسول-عليه الصلاة والسلام- ماطلب ذلك من المسلمين، وقال للأمة:"أين الله؟ فأشار إلى السماء، فقال: إنها مؤمنة"ثم قال ابن عقيل:"القوم كانوا ينهون عن الجدال، والذي شبه المتكلمين". (نفسه -ج1، ص: 230) .

(5) نفسه - ج1، ص: 230.

(6) يرى ابن عساكر وابن تيمية، أن الحنابلة كانوا يعتضدون بالأشعرية في الكلام، للرد على المبتدعة ومن ردعليهم من الحنابلة، تعلم على يد الاشاعرة، فلم يزالوا كذلك، حتى حدثت فتنة ابن القشيري، حيث تفرقت الطائفتان. (ابن عساكر: المصدر السابق-ص:163) . وهذا ليس صحيحا على إطلاقه، فالحنابلة مارسوا الكلام، وردوا على خصومهم منذ أيام أحمد بن حنبل. (خالد كبير علال: الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد ص:09) . وأشهر الحنابلة الذين مارسوا الكلام من الحنابلة وردوا على الأشاعرة، ابن شاقلا في القرن 4هـ/ 10م. وأبو يعلى الفراء، وابن عقيل في القرن5هـ/ 11م. وعن ذلك أنظر مابعد ص:219.

(7) إبن مفلح: المصدر السابق- ج1، ص: 232 - 233.

(8) إعترف الإمام أحمد أنه كان يأمر بالسكوت، عن الكلام، ثم تلااجع عن موقفه، بعدما أضطر إلى خوضه، لأن الحاجة داعية إليه، وأكد أن الجدال ثبت عن الرسل الكرام قال تعالى:"وجادلهم بالتي هي أحسن". (ابن مفلح: المصدر السابق -ج1، ص:233) .

(9) نفسه - ج1، ص: 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت