ويقوي جانب المجوزين له، و حتى أبو محمد البربهاري الساخط على الكلام فقد تأثر به في رده على المتكلمين، وفي تقريره لعقائد الحنابلة [1] .
و الموقف الثالث يتعلق بقضية التنزيه، والتجسيم في صفات الله: فقد أتهم الخليفة الراضي بالله (322 - 329هـ / 933 - 940م) ، الحنابلة بتشبيه الله بصورهم [2] . ورماهم الأشاعرة، في مذكرتهم لنظام الملك، باعتقاد التجسيم [3] ، في ذات الخالق، فجعلوا له قدما، وأضراسا، ولهوات [4] .
و قد رد الحنابلة على ما أُلصق بهم، بمواقف و أقوال لكبار علمائهم، فصرح أبو محمد البريهاري (ت 329هـ/ 940م) ، أن الله لا يوصف، إلا بما وصفته النصوص الشرعية، وليس كمثله شيء، أول بلا متى، وآخر بلا منتهى [5] .وقرر أبو يعلى الفراء أن الخالق لا مَثل له ولا شبيه ولا عديل، ولا يوصف بصفات المخلوقات الدالة على حدوثهم [6] . و أكد على أن البارئ ليس بجسم [7] وأن مذهب الحنبلية حق بين باطلين [8] ، وهدى بين ضلالين، أي:"إثبات الأسماء والصفات مع نفي التشبيه والأدوات" [9] .ويعتقد أبو علي الهاشمي الحنبلي (ت 428هـ/ 1036م) ، أن الله لا نظير له، ولا شبيه، ليس بجسم، ولا تماثله مخلوقاته [10] . وشهد أبو الوفاء بن عقيل (ت 513هـ/ 1119م) ، على أصحابه، أنه لم يحفظ على أحد منهم تشبيها [11] ، وإنما غلب عليهم الإيمان بظواهر الآيات والأخبار من غير تأويل [12] ، ولا إنكار [13] .
(1) أنظر: الحسبن بن أبي يعلى، طبقات الحنابلة - ج2، ص:19.
(2) إبن الأثير: الكامل - ج8، ص: 308، 309.
(3) يعتقد زهدي جار الله، ان التطرف، هو الذي أوصل الحنابلة إلى التجسيم. (زهدي جار الله: المرجع السابق ... - ص:252) .وقرر هنري لاوست، أن مباحث الحنبلية في الألوهية، تشبيهية تجسيمية ... ثم عاد وقرر في موضع آخر من مقدمته لكتاب السياسة الشرعية لإبن تيمية. وأكد أن مباحث الحنابلة، في الألوهية، لاتعد تجسيما، ويعتبر مذهبهم، شديد التمسك، بالتوحيد، كما جاء في القرآن والسنة. ( IBID- P:12 ) . ويذكر أن ابن الأهذل اليمني، قسم الحنابلة، من حيث الإعتماد إلى ثلاث طوائف، الأولى على المذهب السلف، وتعتقد التنزيه، والثانية مشبهة، تاخذ بظاهر الروايات وتمسك عن التأويل. والثانية تفرح بالتجسيم. (إبن الأهدل اليمني: المصدر السابق- ص:169) .
(4) إبن عسكر: المصدر السابق - ص: 311، 312.
(5) أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق- ج2، ص: 19.
(6) أبو يعلى الفراء: المعتمد في أصول الدين - ص: 212.
(7) ذكر أبويعلى الفراء، أنه اختلف فيمن قال أن الله جسم لا كالأجسام، فقيل أنه كافر، وقيل فاسق، لأنه وصف الله بما لم يصف به نفسه، ولاوصفه بها رسوله (ص) ولا أجمع عليها المسلمون (المعتمد- ص: 271، 272) .
(8) أتهم القاضي أبويعلى بإتهامات شنيعة، وقد برأه منها إبن تيمية، وعن ذلك خالد كبير علال: الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد ص: 145.
(9) الحسن إبن أبي يعلى: المصدر السابق - ج2، ص: 209.
(10) نفس المصدر: ج2، ص: 183.
(11) ذكر إبن عقيل أن الحنابلة أتهموا في عهد نظام الملك بالتشبيه فكتب جوابا ردا على طلب الوزير نظام الملك، فكان مما كتبه قوله: نسألهم أولا: إذا شهدوا لأحمد بالسنة والإتباع، فنحن على نهجه، كما أنتم على طريق جماعة نشهد بسلامتهم من البدعة. فإن قالوا:"أن أحمد لم يشبه، وأنتم شبهتم". قلنا لهم: الشافعي لم يكن أشعريا، وأنتم أشاعرة. (ابن رجب الحنبلي: المصدر السابق-ج1،ص:182 - 183)
(12) يقصد بالتأويل هنا كما يفهمه أهل الكلام، أي نفي الصفات الإلاهية وتعطيلها. وعن معاني لباويل أنظر ماسبق ص: 18.
(13) إبن رجب: المصدر السابق ج1، ص: 182 - 183.