الصفحة 18 من 44

و أما الأشاعرة فهم قد تشددوا من جهتهم، في انتقادهم للحنابلة [1] ، فوصفهم بالحشوية [2] والمبتدعة، والرعاع والمجسمة والمشبهة [3] . ويرى الشيخ ابن قدامة المقدسي أن هذه الألفاظ المستهجنة أطلقها المتكلمون لجذب العامة إليهم، وإبطال السنة و الآثار [4] .

و أما الشيخ ابن تيمية فقد اعترف بوجود جماعة مشبهة، انتمت إلى أحمد بن حنبل، حين ذكر أن التجسيم وُجد في الشافعية، والأحناف، أكثر مما وُجد في الحنابلة [5] ، ثم أكد على أن الحنبلية الصرفة، بريئة من ذلك [6] .

ولا يرى الحنابلة في إثبات الصفات الإلهية، تشبيها إلا إذا قيل: يد الله كيد الإنسان، أو سمعه كسمع البشر، أو بصره كبصر بني آدم أما الإقرار بها مع نفي مماثلتها لنعوت المخلوقات، فليس تجسيما، وإنما هو تنزيه، وإلا كانت كل الطوائف التي وصفت الخالق بأي صفة كالعلم، والإرادة،

(1) يرى إبن القيم الجوزية، أن المتكلمين حين عجزوا عن الرد على اهل السنة، دفعهم حقدهم إلى إطلاق ألفاض مستهجنة على مخالفيهم كالمشبهة والمجسمة. (مختصر الصواعق المرسلة- ج1،ص: 36) .

(2) الحشوية، بإسكان الشين، وجوز البعض فتحها، وهم جماعة سموا بذلك لحشوهم صفات التشبيه في مواضع التنزيه، وهم في الأصل جماعة كانت تجلس في حلقة الحسن البصري، فلما خالفوه قال:"ردوهم إلىحشى الحلقة. (إبن الأهذل اليمني: المصدر السابق ص:160) .ويرى ابن تيمية، أن مصطلح الحشوية أطلقه الزنادقة على أهل الحديث والمتكلمين، ثم أطلقه المعتزلة على كل من يثبت الصفات الكلابية، والأشعرية، والكرامية، والفقهاء والصوفية. (نقض المنطق- ص:74) . وقيل أن هذا الإسم أطلق على طائفة لاترى البحث في الصفات، ويؤمنون بها مع غعتقادهم أن الظاهر غير مراد ويفوضون التأويل لله، لكن هذا مستحن عليهم لأنه هو مذهب السلف. (ابن تيمية: مناهج السنة النبوية- ج2،هامش ص:415) . وذكر ابن تيمية أن المتكلمين يهيبون على أصحاب الحديث حشو القول لاحتجاجهم بالأحاديث الضعيفة والموضوعة التي لا تصلح لذلك، ولعدم فهمهم المعاني الصحيحة من الحديث الصحيح. وهذا موجود في بعضهم، حتى أنهم يقولون- أحيانا- القولين المتناقضين. فدخل عليهم الخلل من عدم صحة النقل، ومن عدم صحة الفهم، وهذا يصدق على بعضهم فقط. وأحيانا يتأولون تأويلات غير صحيحة، قد يكفرون بها أناسا من الأعيان ويضللونهم وتحتاج تلك التهم إلى التعزير. وذكر أنه رأى من بعض أصحاب الحديث عجائبا ولم يورد أمثلة على ذلك. (نقض المنطق- ص:22،23) . وفي المقابل ذكر ابن تيمية الفلاسفة والمتكلمين فهم في تصوره"من أعظم بني آدم حشوا، وقولا للباطل وتكذيبا للحق وهم أكثر الناس شكا واضطرابا، ولهم إلا الجدل والإعتراض، وليس ذلك بعلم" (نفس المصدر ص:23ن24) . أما لويس غارديه فقد حصر الحشوية في غلاة الحنابلة. (جورج قنواتي، ولويس غلردي: فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية- ترجمة صبحي الصالح، وفريد جبر- ط3 - بيروت - دار العلم للملايين- ج1، ص: 103) ."

(3) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري - ص: 312 - 313.

(4) ابن قدامة المقدسي: تحريم النظر - ص: 42 - 43.

(5) إبن تيمية: مجموعة الرسائل الكبرى - ج1، ص: 410.

(6) نفسه - ج1، ص: 410.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت