الصفحة 20 من 44

التأويل والمجازات كالأشعرية [1] . وقد أوجز أبو الحسين بن أبي يعلى، معتقد طائفته، في السكوت عن"َلمَ"في أفعال الله- عز وجل - وعن"كيف"في صفاته [2] .

والحنابلة ليسوا على درجة واحدة في إثبات الصفات [3] ، فمنهم من بالغ في الأخذ به [4] ، ومنهم من أبتعد عنه، ومال إلى تأويل الأشاعرة [5] ، ومنهم من توسط بين الفئتين السابقتين [6] . وهم أقل طوائف بغداد تنازعا لكثرة تمسكهم بالسنة والآثار [7] .

ولم يكن ابتعاد الحنابلة عن تأويل الصفات وتكييفها جمودا منهم، وإنما كان إتباعا لإمامهم أحمد بن حنبل [8] ، و حذرا"من الخوض في الغيوب التي أُشير إليها، بألفاظ لا يدرك العقل البشري، حقائق كنهها مادامت لم توضع أمام العيون البشرية، وتحت المشاعر الدنيوية، التي تقيس المرئيات، و المحسوسات، قياسات تليق بمداركها الدنيا [9] ".

و الموقف الرابع يتعلق بقضية المقام المحمود: و حوله اختلف الحنابلة مع الشافعية في تفسير قوله تعالى"عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [10] ". فقال الحنابلة: إن الله يجلس رسوله-عليه الصلاة والسلام- بجانبه على

(1) أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق - ج2، ص:210.

(2) نفس المصدر - ج2، ص: 226.

(3) ذكر ابن تيمية، أن أهل الإثبات من المسلمين هم: الكلابية، والأشعرية، وأهل الحديث، وجمهور الصوفية، والحنابلة، وغالب المالكية، والشافعية، والحنفية، أما البالغون في الإثبات فهم الغلاة من الشيعة وجهال أهل الحديث. (مجموع الفتاوى- ج6،ص:51) . ويعتقد ابن تيمية أن المنهج السديد في مسألة الصفات هو إثبات كل ما أثبته الله لنفسه ونفي مماثلته بخلقه، ومن عطل صفاته، كان جاحدا ممثلا لله بالمعدومات، والجمادات، ومن شبهه بخلقه كان ممثلا له، بالحيوانات، والصواب هو إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. (الرسالة التدمرية- شركة الشهاب-1989 - ص:14) .

(4) مثل ابن حامد، وتلميذه القاضي أبو يعلى الفراء، لكن هذا الأخير كان أبعد عن الزيادة في الإثبات عن ابن حامد. (ابن تيمية مجموعة الفتاوى- ج6، ص: 52) .

(5) كالتميميين، أشهرهم أبو محمد التميمي، مال إليهم بعض الأشاعرة، كالباقلاني، والبهقي. (نفس المصدر- ج6، ص:53) .

(6) نفس المصدر - ج6، ص: 55.

(7) ابن تيمية: نقض المنطق - ص: 136.

(8) يرى الإمام أحمد أن آيات الصفات، لاتؤول وإنما تمر كما جاءت فالله حي لا كالأشياء، وشيء لا كالأشياء. (أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر ... السابق - ج2، ص: 265) .

وعن تفاصيل موقف أحمد من هذه المسألة، خالد كبير علال: الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد ص: 18.

(9) عبد العزيز الأهل: المرجع السابق - ص: 330.

(10) سورة الإسراء، الآية رقم: 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت