ويتضح مما سبق ذكره أن الحنابلة القائلين بإقعاد الرسول- صلى الله عليه وسلم- على العرش قد خالفوا أكثر أهل العلم [1] . وتركوا أحاديث عديدة صحيحة رواها البخاري، وأحمد، وابن خزيمة [2] ، وتمسكوا بأخبار موضوعة انتصروا لها [3] ، وعدوا معارضيهم من الجهمية [4] .
ويرى المستشرق جولد تزهير، أن دعاة إجلاس الرسول على العرش، ربما تأثروا بما جاء في إنجيل مرقص [5] . في حين ظن خصومهم أن ذلك الفهم انتقاص من قداسة الألوهية، متأثرين بالمعتزلة [6] ، فقالوا: إن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى [7] .
و لا يُستبعد، أن يكون حديث الإقعاد على العرش، من أخبار أهل الكتاب، لأنه حديث موضوع [8] . لكن ليس للمعتزلة أي أثر في تفسير قوله تعالى:"وعسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [9] ". بالشفاعة، لأن السنة النبوية، هي التي بينت مراد الآية، وليس هؤلاء [10] .
و الموقف الخامس يتعلق بقضية التقليد و الاجتهاد: فقد تفشى التقليد المذهبي بين الناس في القرن الخامس الهجري/ 11م، بشكل لم يُعهد من قبل [11] . فاطمأنوا إليه، وترسخ في قلوبهم [12] . وأدعى إمام الحرمين
(1) أنظر: ابن خزيمة: المصدر السابق- ص:305 - 306. وابن كثير: المصدر السابق- ج4، ص:341.
(2) ذكر ابن خزيمة في كتابه التوحيد، عدة أحاديث (ص:305 - 306) . والحنابلة في جهتهم يحتجون بكتاب التوحيد، لإبن خزيمة، في مسألة
الصفات. وقد قرأوه في صراعهم في خصوهم على الناس. وعن ذلك خالد كبير علال: الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد ص:118.
(3) أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر -مج1،ج3، ص:94.
(4) الحسن بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة -ج2، ص:10.
(5) جولد تزهير مذاهب التفسير الإسلامي- ترجمة عبد الحليم النجار- مصر- بغداد- مكتبة المثنى ومكتبة الخانجي- 1955 - ص:122.
(6) هو من الاناجيل الاربعة، المعتمدة عند النصارى، وينسب لمرقص أحد أتباع المسيح، وقيل انه متبه عام61م. (رؤوف شلبي: أضواء على المسيحية- بيروت- منشورات المكتبة العصرية- 1975 - ص:42 - 43) .
(7) نفس المرجع - ص: 123.
(8) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل -ج5، ص:237.
(9) سورة الإسراء الىية رقم 79.
(10) أنظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم- ج4، ص:341.
(11) تطرق ولي الله الدهلوي، لمسالة التقليد في المجتمع الإسلامي، قبل القرن الرابع الهجري/ 10م وبعده، بطريقة شاملة ومركزة. فأنظر تلك
الدراسة في كتابه الإنصاف في بيان أسباب الإختلاف، ص:68 وما بعدها.
(12) نفس المرجع ص: 93.