مهاجمته للأشاعرة، فبدعهم، وأخرجهم من الطائفة السنية [1] ، في وقت أشتد فيه النزاع المذهبي، بينهم وبين الحنابلة [2] .
و المجال الثاني يتعلق بمؤلفات الحنابلة في الحديث النبوي: و قد أشتهر الحنابلة أكثر من غيرهم من الفرق الإسلامية بشدة تمسكهم بالسنة النبوية [3] . و ألفوا فيها كتبا عديدة [4] ، منها مسند الإمام أحمد، و يُعد من أقدم مؤلفات الحديث، و من أوثقها. و هو من جهة أخرى يُعتبر كتاب فقه احتوى على مبادئ مذهب الحنابلة [5] .
و منها أيضا كتاب السنن لأبي داود السجستاني (275هـ/ 888م) ، وقد عرضه على أحمد بن حنبل فاستحسنه [6] . وتداوله العلماء، وأثنوا عليه [7] . وقال فيه أبو حامد الغزالي (ت505هـ/ 1111م) : يكفي المجتهد معرفة أحاديث سنن أبي داود [8] . و قد أصبح كالمصحف بين أيدي أصحاب الحديث [9] . لكن مؤلفه روى فيه عن الضعفاء و سكت عنهم، وضمنه
(2) رجح جورج مقدسي فترة تأليف الكتاب فيما بين483 - 499هـ. ( IBID - P:58.) وفي تلك الفترة كان الصراع قائما بين الحنابلة والأشاعرة.
وعن ذلك خالد كبير علال: الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد ص:162.
(3) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد -ج12، ص:67.
(4) يعتز الحنابلة، بحديث كل رواة سنده حنابلة، يعرف بحديث سلسلة الذهب، أورده ابن العماد الحنبلي بمتنه وسنده في شذرات الدهب، مج3، ج5، ص:415 - 416. وقد إشتهر الحنابلة أكثر من غيرهم من الطوائف الإسلامية بشدة تمسكهم بالسنة، حتى أصبح بهم رمزا للتمسك بها. (الخطيب البغدادي: المصدر السابق -ج12، ص:67) . وسلوكهم علما عليها. من ذلك أن الخليفة المطيع قدم للحنابلة أموالا، لبناء قبر على ضريح الإمام أحمد، لكنهم رفظوا، بحجة أن ذلك العمل ليس من مذهبه. ونصخوه، بالتصديق بذلك المال. (أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق -ج2، ص:251) . لكن الحنابلة تسللت إليهم، كثير من المضاهر الشركية، والإبتداع في الدين تأثرا بطوائف بغداد الأخرى، من ذلك أن القاضي أبا على الهاشمي الحنبلي، قبل رجل قبر أحمد بن حنبل، فسأله مرافقه رزق الله التميمي، عن الدليل، فلم يجبه، وقال:"أحمد في نفسي شيء عظيم، وما أظن أن الله تعالى، يؤاخذني بهذا". (نفس المصدر -ج2، ص:186) . وحين توفي الشريف أبو جعفر، لزم الناس قبره ليلا ونهارا، مدة طويلة، وختمت على قبره ألوف الختمات. (نفس المصدر -ج2، ص:241) . وكان أحد زهاد الحنابلة، لاينام إلا قليلا، فإذا مشى نهارا، وبيده محبرة أو إناء، كان النوم يغلبه فبسقط على الإناء أو المحبرة، فتصاب جبهته. (نفس المصدر -ج2، ص:178) . وكان أحدهم محبا للخلوة، فإذا خرج من الصوم، ونسى أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- كان يفطر ويذكر الله. (نفس المصدر -ج2، ص:169) . وكل ذلك صدر عن قوم يدعون أنهم يحاربون البدع، والشركيات، وهم واقعون فيها كذلك. (نفس المصدر -ج2، هامش ص:241) .
(5) محمد ماهر حمادة: المصادر العربية والمعربة -ص:131.
(6) الذهبي: سير إعلام النبلاء- ج13، ص:209. وابن كثير: المصدر السابق -ج11، ص:55.
(7) ابن كثير: المصدر السابق -ج11، ص:55.
(8) نفسه -ج11، ص:55.
(9) الذهبي: المصدر السابق -ج13، ص:212.