إن المقدمات الفاسدة لا تنتج إلا أحكامًا باطلة؛ إذ من المعلوم لكل باحث في باب العقائد، أن الفِرَقَ التي أشار لها حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر وهو الصادق المصدوق أنّ أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء، كلها هالكة مستحقة للنار إلا واحدة، ولما سئل عن هذه الفرقة الناجية عرفها بقوله: «هي من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي» [1] . ومع أن هذه الفرق المختلفة يضلل بعضها بعضًا أو يفسقه أو يكفره -إذ ليس لأصحابها أصل ثابت يرجعون إليه عند الاختلاف إلا أهواؤهم وما تستحسنه عقولهم- بيْد أنهم مع ذلك الاختلاف فيما بينهم نجدهم يجتمعون على أصول قد لا يختلفون فيها، ومن أهمها:
أولًا: عداء أهل السنة بل وتكفيرهم، فمثلًا أول فرقة خرجت عن منهج الفرقة الناجية هم الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخليفة الراشد المشهود له بالجنة ممن لا ينطق عن الهوى، وقبل ذلك خرجوا على الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي تستحي منه ملائكة السماء، المشهود له بالجنة [2] ، ومع تلك الشهادة لهما بالجنة فقد كفروهما وكفروا الصحابة جميعًا، ثم أخذ أتباع الخوارج بتلك العقائد ومنها تكفير العصاة وتخليدهم في النار [3] وإن اختلفوا في مواضع. وكذلك الفرق الأخرى التي جاءت بعد الخوارج كالرافضة، والشيعة بفروعها والجهمية،
(1) الترمذي في كتاب الإيمان في ما جاء في افتراق هذه الأمة (ح 2778) .
(2) انظر الملل والنحل للشهرستاني (1/ 100) في بيان خروجهم على عثمان ثم على علي رضي الله عنهما.
(3) ومن هؤلاء الخليلي كما سيأتي الحديث عن رأيه في عصاة المسلمين وحكمه عليهم بالخلود في النار. كما في كتابه هذا.