الصفحة 49 من 50

أين تأكل؟ فقال: ليس هذا العلم عندي ولكن سل ربي من أين يطعمني؟ [1] وقال أبو سعيد الخراز: (( كنت في البادية فنالني جوع شديد فطالبتني نفسي بأن أسأل الله طعاماً فقلت: ليس هذا من فعل المتوكلين ) ).

فهذا الرجل خالف السنة في الخروج بلا زاد وفهم التوكل فهماً خاطئاً، وقال أبو سليمان الداراني: (( لو توكلنا على الله ما بنينا الحيطان ولا جعلنا لباب الدار غلقاً مخافة اللصوص ) ) [2] .

روى صاحب الرسالة القشيرية عن أبي نصر الصوفي قوله: (( خرجت من البحر بعمان قد أثر في الجوع فكنت أمر في السوق فبلغت حانوت حلاوي فرأيت فيه حملاناً مشوية وحلواء فعلقت برجل وقلت: اشتر لي من هذه الأشياء فقال: لماذا؟ ألك علي شي أو عندي دين؟ فقلت: لا بد أن تشتري لي من هذه، فرآني رجل فقال: خله يا فتى إن الذي يجب عليه أن يشتري لك ما تريد أنا لاهو اقترح علي واحكم بما تريد ) ) [3] .

يقول الغزالي: (( إن كان مشتغلاً بالله ملازماً لمسجد أو بيت وهو مواظب على العبادة فالناس لا يلومونه في ترك التكسب .. بل اشتغاله بالله يقرر حبه في قلوب الناس حتى يحملوا إليه فوق كفايته ... فاشتغاله بالسلوك مع الأخذ من يد من يتقرب إلى الله بما يعطيه أولى لأنه تفرغ لله عز وجل وإعانة للمعطي على نيل الثواب ... ) ) [4] .

فهذا في حقيقته توكل على الناس وانتظار لكرمهم وجودهم ... وهؤلاء في الحقيقة شق عليهم الكسب وآثروا الراحة والكسل وأخلدوا إلى النوم في زواياهم وصاروا عالة على الناس، حتى أنا وجدنا الغزالي يعقد فصلاً في الإحياء عن أدب التسول والمتسول. ويذكر الغزالي أن من ادخر سنة فأكثر فليس من المتوكلين [5] . وغفل عما ثبت في الصحيحين عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعزل نفقة سنة لأهله من سهمه بخيبر.

(1) الإحياء (4/ 245) .

(2) التلبيس: 278.

(3) الرسالة: 132.

(4) الإحياء (4/ 274) .

(5) الإحياء (4/ 276) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت