الأول: حديثنا عن الصوفية كمنهج له كتبه وأعلامه وليس عن أفراد قد يكون منهم المخدوع ... واعلم أن التصوف كالبحر الخضم المغرق فمن الناس من يخوضه إلى كعبيه ومنهم إلى ركبتيه أو حقويه ومنهم من يغرق في لجته والبحر هو هو.
الثاني: أنك واجد فيما يتلى عليك أموراً يستشنعها العقل السليم وتجافيها الفطرة النقية والشِّنعة فيها ليست منا فنحن محض نقلة أمناء ... لكن عالم التصوف لا يلجه إلا من أطفأ سراج عقله وخلف فطرته وراءه ظهرياً وأسلم من بعد نفسه للخيالات والأساطير ... ثم إنك من بعد واجد تناقضاً بيّناً بين مذاهب القوم وذلك أن مردهم إلى الأذواق والمواجيد والرؤى والمنامات والأهواء ولذا تتشعب بهم السبل ولا يجمعهم طريق (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ) .
أولاً: النشأة وعوامل التأثر:
اختلف الناس في اشتقاق كلمة الصوفية ... والأمر كما قال القشيري وهو أحد المقدمين فيهم: (( وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق والأظهر فيه أنه كاللقب ) ) [1] .
نعم فهذه الكلمة دخيلة على لغة الأمة وعقيدتها ... تسللت إليها في عصر الترجمة من اليونانية فإن كلمة صوفيا تعني باليونانية: الحكمة، وما عرفت هذه الكلمة وانتشرت إلا في القرن الثاني الهجري في خضم حركة الترجمة ... قال البيروني: (( ومنهم -أي فلاسفة الهند- من كان يرى الوجود الحقيقي للعلة الأولى فقط لاستغنائها بذاتها ... وحاجة غيرها إليها وإن ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره فوجوده كالخيال ... والحق هو الواحد الأول، وهذا رأي الصوفية وهم الحكماء فإن صوفيا باليونانية الحكمة وبها سمي الفيلسوف فيلسوفاً أي محب الحكمة ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم سموا باسمهم ولم يعرف اللقب بعضهم فنسبهم إلى الصُفّة وأنهم أصحابها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ) ) [2] .
ويزيد الأمر جلاء أن أقطاب التصوف كانوا يثنون على فلاسفة اليونان ويعدونهم أساتذة لهم وأوائل في هذا الطريق ... يقول السهروردي- الذي قتله صلاح الدين بتهمة
(1) الرسالة: 126.
(2) تحقيق ما للهند من مقولة: 27.