لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن الإسلام يأبى الركون إلى الكسل والبطالة وأن الزهد ترك ما في أيدي الناس والاستغاء عنه تنزهاً وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السؤال وأمر بالاكتساب والعمل فقال: (( والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه ) ) [1] .
وقد سئل الإمام أحمد عن رجل جلس في بيته وقال لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( جعل رزقي تحت ظل رمحي ) )، والحديث الآخر في ذكر الطير تغدو خماصاً فذكر أنها تغدو في الرزق [2] وخاصة القول في هذا أن تعطيل الأسباب زندقة والتوكل عليها شرك والتوحيد أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على الله.
يقول الغزالي: (( وشرط الزهد أن لا يكون له ثوب يلبسه إذا غسل ثوبه، فإذا صار صاحب قميصين وسروالين ومنديلين فقد خرج من جميع ألوان الزهد ) ) [3] .
وهذا مأخوذ من إنجيل لوقا: (( ولا يكون للواحد ثوبان ) ). (309) .
وهذا مفهوم بوذي للزهد غريب عن الإسلام الذي يأبى تحريم الطيبات: (( فكل والبس ما أخطأتك خصلتان: السرف والمخيلة ) ).
رابعاً: الغناء:
لقد جعل هؤلاء الغناء وسيلة فعالة للوصول إلى حضرة الله والرسول صلى الله عليه وسلم ... بل جعلوه أولى من القرآن، وهم يحثون المريد في أول سلوكه ألا يشتغل بالقرآن وأن يقبل على الغناء.
يقول الغزالي: (( اعلم أن قراءة القرآن أفضل للخلق كلهم إلا للذاهب إلى الله عز وجل ) ) [4] ، وقال: (( اعلم أن السماع أشد تهييجاً للوجد من القرآن من سبعة أوجه ) )
(1) البخاري عن أبي موسى الأشعري ح1402.
(2) التلبيس (283 - 284) .
(3) الإحياء (4/ 231) .
(4) الأربعين في أصول الدين: 37.