إنَّ أهم سبب لتقدُّم التَّفكير اللُّغوي عند النُّحاة العرب هو اعتمادهم المنهج الوظيفي في التحليل. ولذلك نجد أنَّ كتابَ سيبويه قادرٌ على الوقوف بثباتٍ على صعيدٍ واحدٍ إزاء أشهر وأحدث كتب النحو الوظيفي المعاصرة في الغرب، ومنها على سبيل المثال كتاب عالم اللغة الإنجليزي المعاصر"ها ليدي"المعنون (مقدمة في النَّحو الوظيفي) الصادر بطبعته الثانية عام 1994 م. حيث يمكن للتَّحليل التَّفسيري المُقارن المُنصف تقديم عشرات البراهين النَّصيَّة التي تقطع بصحة كون كتاب سيبويه هو أول كتاب في تأريخ علم اللغة العام، يعرض ويُطوِّر العديد من النَّظريَّات اللِّسانيَّة التي لم تُعرف إلا في القرن العشرين، ومنها النَّظريَّة الوصفيَّة للغة (وليس المعيارية) [1] ، ونظرية الاتِّسام (marked ness) ، والبنية المعلوماتية للكلام (بإزاء البنية
(1) لقد استخدم سيبويه في كتابه المنهجين الوصفي والمعياري، فالوصفي يظهر عند وصفه للغات العرب وكلامهم، والمعياري يظهر عند قوله أحيانًا (خطأ - لا يجوز ... الخ) . ومن أمثلة المنهج الوصفي قوله:"وإنَّما يُدخلون الألف واللام ليعرفوك شيئًا بعينه قد رأيته أو سمعت به، فإذا قصدوا قصد الشيء بعينه دون غيره وعنوه، ولم يجعلوه واحدًا من أمة فقد استغنوا عن الألف واللام"الكتاب (2/ 198) ، وقوله:"والدليل على ذلك أن العرب تقول: لا غلامين عندك، ولا غلامين فيها، ولا أب فيها. وأثبتوا النون؛ لأنَّ النُّون لا تُحذف من الاسم الذي يجعل وما قبله أو وما بعده بمنزلة اسمٍ واحدٍ"الكتاب (2/ 283) . وقوله:"ولو فعلوا ذلك لاجتمعت في كلامهم أربع متحركات ليس معهن ساكن؛ نحو: (رسلكمو) ، وهم يكرهون هذا، ألا ترى أنَّه ليس في كلامهم اسمٌ على أربعة أحرفٍ متحركٌ كله"الكتاب (4/ 192) .
ومن أمثلة المنهج المعياري قوله:"لا يجوز أن تقول: (إنَّ أخوك عبدَ الله) ، على حدّ قولك: إنَّ عبدَ اللهِ أخوك؛ لأنَّها ليست بفعل، وإنَّما جُعلتْ بمنزلته، فكما لم تتصرَّف (إنَّّ) كالفعل كذلك لم يَجُزْ فيها كلُّ ما يجوز فيه؛ ولم تَقْوَ قوّتَه"الكتاب (1/ 59) ، وقوله:"وإذا قلت: (ما زيدٌ منطلقًا أبو عمرٍو وأبو عمرٍو أبوه) لم يجز؛ لأنّك لم تُعرَّفْه به، ولم تَذْكُرْ له إضمارًا ولا إظهارًا فيه، فهذا لا يجوز؛ لأنَّك لم تَجعل له فيه سببًا"الكتاب (1/ 63) ، وقوله:"فإِن ابتدأتَ فقلت: (ظنى زيدٌ ذاهبٌ) ، كان قبيحًا لا يجوز البتّة، كما ضَعُفَ (أَظُنُّ زيدٌ ذاهبٌ) "الكتاب (1/ 124) ، وقوله:"واعلمْ أنَّه لا يجوز لك أن تقول: (علَيهِ زيدًا) ؛ تريد به الأمرَ، كما أردت ذلك في الفعل حين قلت: (لِيَضربْ زيدًا) ؛ لأنّ (علَيهِ) ليس من الفعل"الكتاب (1/ 252) ، وقوله:"فأَينَ راغبٌ في الصدقة، زعم يونسُ أنَّ الجرّ خطأٌ؛ لأنّ (أَيْنَ) ونَحْوَها يُبتدأُ بهنّ، ولا يُضْمَرُ بعدهنّ شئٌ"الكتاب (1/ 435) ، وقوله:"فهذا اضطرار وهو في الكلام خطأ"الكتاب (3/ 62) ، وقوله:"فإن قلت: (يكون هذا يوم زيدٌ أميرٌ) كان خطأً ..."الكتاب (3/ 119) .