الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين، سيدنا وشفيعنا محمد بن عبد الله النَّبي الأمين، وعلى آله وصحبه الغُرِّ الميامين، وعلينا وعلى مَنْ اتَّبع هداه إلى يوم الدين فأمَّا بعد:
فلقد قام سيبويه والنُّحاة العرب بوضع قواعد النحو العربي (القواعد التقليدية) ، وذلك"بعد أن استقرءوا ما ورد لهم من نصوص اللغة، واتَّخذوا ممَّا كثر شيوعه وزادت نسبة وروده مقياسًا يُؤسِّسون عليه القاعدة، ويستنبطون منه الصحيح المقبول" [2] ، وقد شهد للنحاة مُنتقدُهم قبل صديقِهم، فنرى ابن مضاء ـ وهو من هو في معارضته للنُّحاة ـ يقول:"إنِّي رأيت النحويين ـ رحمة الله عليهم ـ قد وضعوا صناعة النحو لحفظ الكلام من اللَّحن، وصيانته من التَّغيير، فبلغوا إلى الغاية التي أمُّوا، وانتهوا إلى المطلوب الذي ابتغوا" [3] . وعلى الرُّغم من بَداءة الوسائل وشُحِّ الإمكانات فإنَّ النُّحاة العرب قد أجادوا في تُراثهم اللُغوي والنَّحوي، وفي هذا الشَّأن يقول المستشرق الألماني يُوهان فك:"ولقد تكفَّلت القواعد التي وضعها النُّحاة العرب في جهد لا يعرف الكَلَلَ، وتضحية جديرة بالإعجاب؛ بعرض اللغة الفصحى وتصويرها في جميع مظاهرها من ناحية الأصوات والصيغ، وتركيب الجمل ومعاني المفردات على صورة شاملة، حتَّى بلغت كتب القواعد الأساسية عندهم مستوى من الكمال لا يسمح بزيادة لمُستزيد" [4] .
وفي القرن العشرين بعد ظهور المناهج اللِّسانية الحديثة؛ وجدنا مَنْ يتنكَّر لمنهج النُّحاة العرب ودورهم وقواعدهم التقليدية، ولكننا لا نُنكر تفوُّقَ المُحدثين، ولكنَّ هذا التَّفوُّق قد استفاد من تراكمية العلوم والمناهج، كما استفاد من مُعطيات القرن العشرين ومنجزاته العلمية، وذلك لا يمنعنا من تتبع بذور الإبداع اللغوي والسَّبق لدى النُّحاة العرب، وفي مقدمتهم سيبويه
(1) الدكتور: عبد الله أحمد جاد الكريم، الأستاذ المساعد - قسم اللغة العربية - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة جازان - المملكة العربية السعودية.
(2) من أسرار اللغة؛ لإبراهيم أنيس (ص 11) ، وسيبويه إمام النحاة (ص 32) .
(3) الرد على النحاة (ص 80) .
(4) العربية؛ ليوهان فك (ص 2) .