الصفحة 33 من 41

المبحث الرابع: دراسات وشهادات حول سيبويه والدرس اللساني الحديث

لقد غمط كثيرٌ من علماء الغرب سيبويه حقَّه ومكانته في التُّراث اللغوي الإنساني، ولكنَّ هذا لا يمنع وجود بعض المنصفين الذين يعترفون بفضل سيبويه وآرائه في تطور الدرس اللساني العربي وغيره، فقد صرَّح تشومسكي نفسه بأنَّه درس العربية في المستوى الأول في جامعة بنسلفانيا على أيدي مستشرقيْن معروفين هما (جورجيو دي لافيدا) (وفرانز روزنتال) ، ونوّه تشومسكي في معرض ردّه على استفسارٍ وُجّه إليه في سنة 1989 م بأنَّ تأثيراتِ النحو العربي كبيرةٌ على نظريته، وأنَّه قرأ كتاب سيبويه كمرجعٍ له [1] . صحيحٌ أنَّ سيبويه لم يُنظم تفكيره في نظريات، وكان تفكيره عبارة عن آراء متفرقة قد لا يجمعها جامع في أحيان كثيرة .. وصحيحٌ أنَّ الغربيين المُحدثين تفوَّقوا في تنظيم الفكر اللغوي في نظريات معينة. ولكن ذلك لم يمنع التشابه والتأثر بل الاتِّفاق بين آراء سيبويه والدرس اللساني الحديث، ومثَّلنا له بالمدرسة التوليدية التحويلية.

ولعلَّ أفضل كتاب يُمثِّل وُجهات النَّظر التي تتلمس مظاهر الاتفاق بين النحو العربي والنظرية التوليدية هو كتاب الدكتور نهاد الموسى: (نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر النحوي الحديث) [2] ، وقد صرَّح في مقدمة هذا الكتاب بأنَّ"كثيرًا من الأنظار التي وجدها في كتب المُحدثين من الغربيين، ولابَسَها في مُحاضراتهم ومُقابساتهم، يُوافق عند عناصر كثيرة منه ما قرأ عند النحويين العرب مُصرِّحين به حينا، وصادرين عنه كثيرًا من الأحيان" [3] . ويرى الموسى أنَّ النّحو العربي بدا كأنَّه يتشابه مع كثير من المدارس اللسانية الحديثة لا المدرسة التوليدية وحسب. ثم يُورد رأي الباحث الاسترالي المعاصر مايكل كارتر عن كتاب سيبويه قائلًا:"ويرى كارتر، في مُنتهى النَّظر، أنَّ كتاب سيبويه يُقدِّم نموذجًا من التَّحليل البنيوي لم يعرفه الغرب حتى في القرن العشرين، ويُقَدِّر أن لو وُلِدَ سيبويه في عصرنا هذا لتبوَّأ منزلةً وسطًا"

(1) ينظر: فن الترجمة وعلوم العربية، لإبراهيم بدوي الجيلاني (ص 166) ، وظواهر النقد الحديث وجذورها في التراث، لحسن الهوييل، وتشومسكي في عيد ميلاده السبعين، لحمزة بن قبلان المزيني.

(2) نظرية النحو العربي، لنهاد الموسى.

(3) نظرية النحو العربي (ص 9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت