الصفحة 19 من 41

المبحث الثالث: أهم مظاهر المنهج التوليدي التحويلي عند سيبويه

بعض الباحثين، عربًا وغير عرب، لاحظوا بعض أوجه الشَّبه بين النحو العربي والنظرية اللسانية التوليدية التي جاء بها نعوم تشومسكي بدءًا من أواسط الخمسينيات من القرن العشرين. كما أنَّ بعض هؤلاء الباحثين تجاوزوا ملاحظة هذا التَّشابه إلى القول بأنَّ تشومسكي أخذ المفاهيم الأساسية في نظريته عن النحو العربي بطرقٍ مُباشرة أو غير مباشرة. ولا يتَّسع المقام هنا لعرض كل ما قيل عن وجود هذا التَّشابه أو ما قيل عن أخذ تشومسكي عن النحو العربي؛ لكنني سأكتفي بإيراد عينات ممثلة لهذه الآراء. ومَنْ يقرأ في كتاب سيبويه، ويتعامل مع أبوابه وقضاياه اللغوية يجد أنَّ سيبويه قد تعامل بمفاهيم المنهج التحويلي من دون أن يذكر المصطلحات نفسها التي عرفناها في القرن العشرين علي يد تشومسكي وتلاميذه والمتابعين له حول العالم. ويظهر ذلك في العديد من الظواهر اللغوية والنحوية، ومن أمثلة ذلك:

أولًا: دراسة سيبويه لوسائل التحويل: كالحذف، والتقديم والتأخير، والاعتراض (الفصل) ، والاختصار والإيجاز، والاتساع، والزيادة ... الخ. ويذكر سيبويه أنَّ العرب"يغيِّرون الأكثر في كلامهم" [1] ، وهذا التغيير أو التحويل يكون بوسائل شتَّى، من أهمها:

(1) الحذف: لقد ورد مصطلح الحذف في كتاب سيبويه كثيرَا، وقد درس سيبويه ظاهرة الحذف لدى العرب، ولا أبالغ إذا قلت: إنَّ سيبويه قد درس ظاهرة الحذف بصورة أكبر من تشومسكي، فقد تحدَّث عن حذف الحركة حيث يقول سيبويه:"واعلم أنَّ العرب يَستخفّون فيحذفون التنوينَ والنون؛ ولا يَتغيُّر من المعنى". [2] وفي قوله (ولا يتغير من المعنى) يتشابه

مع رأي التحويليين؛ أنَّ التَّحويل ومظاهره ومنها الحذف لا يمسُّ المعنى الأصلي للجمل.

وتحدَّث عن حذف الحرف؛ ومن ذلك قوله:"وأما قولهم ميتٌ وهينٌ ولينٌ فإنهم يحذفون العين". [3] ومنه قوله:"زعم الخليل رحمه الله أنَّهم خفَّفوا هذه الأسماء التي ليست أواخرها الهاء؛ ليجعلوا ما كان على خمسة على أربعة، وما كان على أربعة على ثلاثة، فإنَّما"

(1) الكتاب (2/ 208) .

(2) الكتاب (1/ 165) .

(3) الكتاب (4/ 366) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت