نفسه الذي يصنَّف به أكثر الدرس اللساني في القرن العشرين، ومن ضِمنه النحو التوليدي التحويلي بأنَّه بنيوي ـ لقد كان النحويون العرب مُهتمِّين بالتَّحليل البنيوي الذي يصل الأشكال بعضها ببعض، وذلك ما يؤدي إلى تفسيرها. ومن اللافت للنظر أن تكون بعض تحليلاتهم مُجرَّدة ومصوغة بمصطلحات تُشبه ما يستعمله اللسانيون اليوم.
.وبعد، فقد وقفنا على بعض الآراء التي ذكرها في كتابه ـ أول كتاب نحوي ـ الذي لم يُقدَّر له أن يُكمله بل يُعتبر قُصاصات من مخزون أفكاره، وربّما لو طال به العمر لأتى بالكثير وكتابُه خيرُ دليلٍ، ورأينا أنَّ تشومسكي وتلاميذه وأعوانه لم يُكوِّنوا نظريتهم اللُّغوية بين عشية أو ضحاها من خلال كتابٍ واحدٍ بل كتبوا سلسلة من الكتب والدراسات والأبحاث، وبالاستعانة بمنجزات العلم الحديث، وخُلاصة التجارب اللغوية والمناهج السابقة، وإنَّ سيبويه وبالرغم من تواضع الإمكانات ووسائل البحث العلمي في عصره أتى بما جعل تشومسكي وغيره من العلماء المُنصفين يُقدِّرون سيبويه وأفكاره بل ويعجبون بصنيعه.
وعليه فإنَّ"العقل العربي مارس كل ألوان الاجتهاد وأنواعه، وبعض هذه الاجتهادات كانت حريَّةً بالتَّطوير والإثراء، وليس التَّجاهل والاحتقار" [1] ، ولذلك"فكُلُّ مُعطيات علم اللغة كما طوَّره سوسير ـ وتشومسكي ـ لم تكن فتحًا جديدًا، وكان يجب ألا تكون كذلك، بالنسبة للمثقف العربي لو أنَّه في حماسه للتَّحديث وانبهاره بمُنجزات العقل الغربي لم يتجاهل تراثه العربي" [2] . فكثيرٌ من أفكار سيبويه وغيره من العلماء العرب أُخذت وطوِّرت من قِبل علماء الغرب، سواءً عن طرق الترجمة أو الاطلاع المباشر أو غير ذلك، ولا يمكننا الزَّعم أنَّ كل ما ذكره سيبويه موجودٌ لدى المدرسة التوليدية التحويلية ـ التحويليين الجدد ـ ولكن أردنا أن نقف على أوجه التَّشابه، فما عند سيبويه بذور نمَّاها التحويليون الجدد، وغرسوها ورعوها، وأفنوا أعمارهم وأفكارهم من أجل وصولها إلى ما وصلت إليه من العالمية والشهرة والذيوع. فكان من واجب سيبويه وأمثاله علينا أن نُقدِّمَ للعالم؛ وخاصة الأجيال المعاصرة وأجيال المستقبل هذا العمل عن بعض الجهود اللغوية لسيبويه إمام النُّحاة والعربية ـ والحقُّ إنَّ هذه الدراسة نقطة في بحر كتاب سيبويه ودوره في الدرس اللغوي واللساني العربي والإنساني. وإن اعتبرنا هذا التشابه والتلاقي في الأفكار والدراسات بين سيبويه والمدرسة التوليدية التحويلية ـ
(1) المرايا المقعرة، لعبد العزيز حمودة، ط عالم المعرفة، الكويت، 2001 م (ص 247) .
(2) المرايا المقعرة (ص 257) .