الصفحة 6 من 41

قانون علمي للظَّواهر الحضارية، ذلك لأنًّ اللسانيات لم تنشأ في فراغ لتخدم في فراغ، وإنَّما هي شيءٌ لاحِقٌ لشيءٍ سابقٍ. فعملية التَّأثير والتَّأثر موجودةٌ، ليس بين اللسانيات وبين الدراسات التي سبقتها، وإنَّما بين الظَّواهر الحضارية كُلِّهَا. ولكي تستطيع اللسانيات أن تكون عِلمًا قائمًا برأسه مُستقلًا عن بقية العلوم الإنسانية والطبيعية الأخرى، فلابد لها من أن تستفيد من المعارف والنظرات اللغوية والتراثية سواء أكانت عربية أم غير عربية [1] . ولقد أثبت باحثون لِسانيون غربيون، مُعتدلون ومُنصفون (أمثال: روبنز [2] ، وتشومسكي، وكوك [3] تأثر اللِّسانيات الحديثة بالتُّراث اللُّغوي العربي، وذلك عن طريق وسائل مُختلفة، سواءً أكانت مُباشرة(الاطلاع على التُّراث اللُّغوي العربي باللغة العربية) أم غير مباشرة (عن طريق ترجمة أعمال النُّحاة واللُّغويين والبلاغيين العرب إلى لغات أجنبية كثيرة؛ وخاصة اللغة الألمانية) [4] .

وفي مقال للباحثة جوليا كرستيفيا [5] ، اهتمَّت فيه بإبراز دور النُّحاة واللُّغويين العرب القُدامى في إثراء الحركة اللُّغويَّة، وإسهامهم في بحوثها، خاصةً منها ما تعلَّق بالنَّحو العربي، فإنَّ النَّاظر في المُصنَّفات والكُتب اللُّغويَّة المُتداولة بين المُشتغلين بالدَّرس اللِّساني الحديث لا يملك إلا أن يُسجِّل بكثيرٍ من الحَسْرَةِ والاستياء؛ إغفالَ أصحاب هذه المُصنَّفات، الحركة اللغوية التي قام بها اللُّغويون والنُّحاة العرب القُدامى، ولعلَّ هذه الباحثة ـ وهي مَنْ هي في صُلب الدِّراسات اللِّسانيَّة والسِّيميائيَّة الحديثة ـ أحدُ الاستثناءات القليلة في كتابها: (Le Langage، cet inconnu Points-Seint، 1981) ، حيث كتبت فقرةً لا يُستهان بها؛ حول إسهام العرب القُدامى في مجال الدِّراسات اللُّغوية، تُبيِّنُ فيها قيمة هذه المُساهمة؛ عنوانها (La grammaire arabe) (النحو العربي) (ص 129 - 134) حيث تقول:"يتبوأ النَّحو العربي مكانةً هامَّةً في صُلبِ مُكتسبات التَّفكير حول اللغة في العصور الوسطى ... يقول المثل العربي السَّائر: إنَّ حكمة الرُّومان في ذهنهم، وحكمة الهنود في نزواتهم، وحكمة اليونان في رُوحهم، أمَّا حكمة العرب ففي لسانهم .... ، وتتميز النَّظريَّة اللِّسانيَّة العربيَّة بفكرها الثَّاقب؛ حول"

(1) صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات، د. مازن الوعر (مرجع سابق) .

(2) أنتوني روبنز (Anthony Robbins) : كاتب ومتحدث أمريكي، ولد في 29 فبراير 1960 م في كاليفورنيا وله عدة كتب وبرامج في مجال تطوير الذات، من مؤسسي البرمجة العصبية اللغوية.

(3) ولتر كوك (Walter Cook) العالم اللساني الأمريكي المشهور.

(4) صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات، د. مازن الوعر مجلة التراث العربي.

(5) جوليا كرستيفيا: ناقدة ولغوية فرنسية مشهورة، أصلت لظاهرة التناص في النقد الأدبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت