الآية 35: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي} الناسَ {إِلَى الْحَقِّ} بالبيان والحُجَّة؟، {قُلِ} : {اللَّهُ} وحده الذي {يَهْدِي} الضالَّ {لِلْحَقِّ} بالأدلة والبراهين، والإلهام والتوفيق، {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} وهو اللهُ سبحانه وتعالى {أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ} أي يُعبَد ويُطاع {أَمَّنْ لَا يَهِدِّي} : يعني: أم تُتَّبَع هذه الأصنام التي لا تهتدي إلى شيءٍ لِعَجْزِها، كما قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} ، وبالطبع لا تستطيع أن تهدي عابديها إلى ما فيه تحصيل مقاصدهم، كالنصر على الأعداء وغير ذلك.
? وأما الاستثناء في قوله: {إِلَّا أَنْ يُهْدَى} فهو استهزاءٌ بهذه الآلهة التي لا تهتدي إلى الوصول إلى مكان، إلا إذا نقلها الناس ووضعوها في المكان الذي يُريدونه لها، {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} بهذا الحُكم الباطل فتُسَوُّونَ بين اللهِ وخلقه؟
? ويُذَكِّرُني قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} بقصة فتاة - كانت على النصرانية - وكان عندهم نشيد في الإنجيل يحتوي على كثير من الألفاظ الخارجة عن الأدب والحياء، فكانت هذه الفتاة تستنكر أن يكون هذا كلام الله، وكانت تتألم كثيرًا عندما تجد فتاة مُسلِمة تتلو القرآن في المواصلات بصوتٍ مرتفع، ولا تستحي من ذلك، بل تجد ثناءً من الناس عليها، أمَّا هي فكانت تستحي أن تقرأ هذا النشيد أمام الناس حتى لا يُظَنّ بها سُوء.
? وفي أحد المرات دخلتْ حُجرتها ليلًا، وأخذتْ تُحَدِّث الصور (التي يَرسمونها ويَظنون أنها للمسيح عليه السلام وأمه) ، فقالت لهم: (هل هذا النشيد هو كلام الله؟) - وبالطبع لم ترُدّ عليها الصور - ثم صعدتْ إلى سطح العَقار الذي تسكن فيه، ثم نظرتْ إلى السماء وقالت: (يا ربّ يا حقيقي، هل هذا النشيد هو كلامك؟) ، فلما قالت ذلك، سمعتْ أذان الفجر يقول: (اللهُ أكبر اللهُ أكبر) ، فكرَّرتْ السؤال: (يا ربّ يا حقيقي، هل هذا النشيد هو كلامك؟) ، فارتفع النداء من مسجد آخر: (اللهُ أكبر اللهُ أكبر) ، فبَكَتْ وقالت: (نعم يارب، أنت أكبر وأعظم مِن أن تقول هذا الكلام) .
? ثم نزلتْ بعد ذلك إلى حُجرتها لتنام، فسمعتْ إقامة الصلاة، وكانَ المسجد الذي بجوارهم يصلي فيه رجل كبير في السن، وكانَ دائمًا يقرأ في صلاة الفجر بسورتَي الأعلى والإخلاص، أمَّا في هذا اليوم، فوجدتْ شابًّا يُصلي بقوْل اللهِ تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ