الصفحة 14 من 38

وكان الشيخ تقيًا، ورعًا، مسارعًا إلى فعل الخيرات، مواظبًا على الطاعات منذ الصغر، وكان المسجد مكانه المحبّب إليه منذ أن بلغ الثالثة عشرة، وكان مخلصًا دينه لله وحده، لا يرجو حمدًا وشكرًا من أحد لعمل عمله، أو خدمة أداها، فلم يكن الذين يحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، ولا بما فعلوا، وكان حليمًا، جلدًا على العمل، يتحمل من الأعباء ما تضوى له وتنوء به أجساد الشباب، همته العالية تتجاوز ضعف الشيخوخة والشيبة، ويتمتع بذوق رفيع، ما أحوج العلماء والدعاة، والمشايخ إليه حتى لا يكونوا منفّرين، وبإحساس مرهف، وكان جوادًا من الأجواد، يجود بماله، ووقت راحته، من أجل قضاء حوائج طلبة العلم الذين يفدون إليه من كل فج عميق، يجيب على أسئلتهم، ويحل لهم إشكالاتهم العلمية، ومن أجل قضاء حوائج الفقراء والمساكين، فيكتب شفاعة لهذا، ويعفو عن ذاك، ويقدم المال إلى المحتاج إليه، ومن عنايته بالفقراء، أنه كان يخصص لبعضهم رواتب ومساعدات من ماله الخاص حتى بلغ به الأمر أن يخصص مبلغ ألف ريال يرسلها إلى امرأة فقيرة في مجاهل إفريقية، فإذا لم يجد المال، استلف راتبًا أو أكثر من رواتبه من أجل ذلك، أو ردهم ردًا جميلًا.

ومن تواضعه أنه كان يعنى بالعوام الذين يقبلون عليه، ولا يكادون يفارقونه حتى في طعامه الذي يشاركونه فيه، بل في سائر أحواله، وهو صابر عليهم، ولكلٍّ مشكلته، فهذا يستفتي، وذاك يستجدي، وكان يغضب من أصحابه إذا زجروهم، ويذكرهم بالحديث العظيم «ابغوني ضعفاءكم» [1] حتى وهو على فراش الموت، كتب شفاعة لواحد منهم.

وكان مجلسه مجلس أنس وعلم وذكر، وهو ملتقى الخواص من طلبة العلم، يأتونه لحل ما يشكل عليهم من المعضلات العلمية، فيجيبهم، ويستفيدون من إجاباته، كما يفيدون من سكينته ووقاره، وكثرة صمته، وقلة كلامه ومراعاته لأدب الحديث، وأدب المجلس، فلا يرفع صوتًا، ولا يقهقه، ومن مكارم الأخلاق التي حباه الله إياها، كالعدل مع مخالفيه في الرأي، وثباته على المبدأ، واستقامته على الحق، وسعة أفقه، وبعد نظره، وثقته العظيمة بالله تعالى، وزهده بالثناء، وتقشفه، وحرصه على السنن، وبشاشة وجهه، وطلاقة محياه، وعفة يده ولسانه، فلم يسمعوه ينتقص أحدًا، ولا يعيب طعامًا، ولا ينهر خادمًا، ولا يمدح نفسه، ولا يحب أن يمدحه أحد بما فيه، فكيف بما ليس فيه؟

يحسن الظنّ بالناس، ويشتدّ في وفائه لمشايخه وأصدقائه وذوي رحمه، يتفقد أحوالهم، ويقوم بحقوقهم، ويعينهم على متاعب الحياة، لا يعرف الحسد والحقد، ويقابل الإساءة بالإحسان، وغيرته على الدين شديدة، يثور لانتهاك حرمات الله، ولوقوع الظلم على المسلمين ويحب أهل العلم، ويسأل عن أحوالهم، ويكاتبهم، ويتناصح معهم.

(1) ونص الحديث (ابغوني ضعفاءكم، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم) صحيح/الترمذي بتحقيق الألباني برقم 1702

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت