وهو في كامل طهره ووضوئه متطهرا متطيبا متسوكا يتجه إلى الله تعالى ويدعوه أن يحفظه وأن يعينه وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين.
أليس مثل هذا حريا بأن يكون التوفيق حليفه والنصر ربيبه .. واجزم لو أن الشيخ رحمه الله علم أنه سيموت في اليوم المحدد والوقت المحدد ما زاد في عمله شيء فكل وقته كان لله وبالله وفي الله ومع الله».
وفاة الإمام القدوة المجدد شيخ الإسلام عبد العزيز بن عبد الله بن باز صفحة ما أزهاها قد طويت، وعين ما أعذبها قد غارت .. لقد كان هذا الإمام قويًا على حادثات الزمان .. لا تضعضعه الآلام .. ولا تهزه الأوجاع .. اجتمع عليه ضعف الكبر .. ووخزات الآلام والمرض .. وهو ماضٍ في طريقه .. أنسته آلام المسلمين آلامه .. وأنسته أوجاع المسلمين أوجاعه .. ولكن!!
رأيت المرء تأكلهُ الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبغي المنية حين تأتي ... على نفسِ ابن آدم من مزيد
أكثر من ثمانين عامًا؛ ملئت بالأعمال الهائلة لو كلفت بها الجبال الراسيات لتضعضعت لها!! لقد كان هذا الإمام صبورًا لا يشتكي أوجاعه لأحد ولا يبدو عليه ألم المرض وشكواه، وظل- رحمه الله- إلى آخر يوم في حياته؛ يعلم الخير ويقضي حوائج المسلمين حتى وهو على سرير المستشفى العسكري في «الهدا» في مرضه الأخير!.
وتبدأ معنا رحلة الفراق لهذا الإمام وهو بالطائف إذا أحس بإجهاد المرض، ورفض- رحمه الله- السفر إلى الخارج للعلاج، وحزن- رحمه الله- لعدم تمكنه من حج عام (1419 هـ) ، إذ إن الأطباء نصحوه أن صحته لا تسمح له بذلك، وحزن الكثير لعدم رؤيته بينهم في حج ذلك العام .. فلقد كان لوجوده- رحمه الله- بين المسلمين بهاءً يزاد على بهاء تلك الأيام المباركة؛ التي يتوافد فيها العباد لحج بيت الله الحرام ..
ولكن بعد الحج أصر- رحمه الله- على الذهاب إلى مكة، فمكث فيها عشرة أيام، بدأت معه وعكة المرض، فنقل إلى مستشفى الهدا العسكري بالطائف، ومكث به أيامًا ثم خرج ليواصل مشواره الطاهر!
بعد خروجه من المستشفى مساء الثلاثاء، لم يسكن إلى الراحة! بل عقد مجلسه بمنزله يوم الأربعاء، وباشر لقاءه مع المراجعين، وتابع المعاملات والفتاوى، ولم يلاحظ عليه أي تغير في ذاكرته واستيعابه؛