الصفحة 16 من 40

وكان سبب توليه القضاء: أن الصاحب إسماعيل بن عباد ـ أشهر وزراء دولة بنى بويه في العراق وفارس وخراسان، المتوفى سنة (485) ـ كان لا يرى تولية القضاء، في دولته الشيعية، إلا لمن كان معروفا بالاعتزال، وكان عبد الجبار بدأ يعرف بإمام المعتزلة في عصره، فاتصل به الصاحب واستدعاه إلى الرى، وكتب له عهدا بتوليته رئاسة القضاء في الرى وقزوين وغيرهما من الأعمال التى كانت لفخر الدولة سنة (467) ، ثم أضاف إليه بعد ذلك في عهد آخر إقليمى جرجان وطبرستان بعد «فتحهما» فيما يبدو.

وكان القاضى، كما يظهر من هذا العهد، مثال العدل والورع في أحكامه، فقد جاء في أسباب إضافة جرجان وطبرستان إلى أعماله: أن أمير المؤمنين «ألفاه الكافى فيما استكفاه، الوافى بما قلده واسترعاه. قد نهض من قضاء قضاته، بما أحمد فيه رضىّ مسعاته. مؤديا حق الله في الأخذ بالعدل، والحكم بالفصل.

والقضاء بموجب الدين ومقتضاه، والإمضاء على سنن الشرع ومفضاه. لا يميل به هواه عند الارتياد، ولا يختلف مغزاه في الاعتبار والاجتهاد. الورع مركبه وسبيله، والحق مقصده ودليله. قد ضربت بحسن مذهبه الأمثال، وشدّت إلى اقتباس علمه الرجال ... »

ولم يكن الوزير الصاحب يخفى إعجابه الشديد بكفاءة القاضى وعلمه وفضله، فكان يقول فيه: إنه «أفضل أهل الأرض» ، «وأعلم أهل الأرض» .

ويذكر الحاكم في طبقات المعتزلة أن القاضى بقى في الرى، بعد أن استدعاه إليها الصاحب، مواظبا على التدريس إلى أن توفى. وهذا يدل على أن أعباء منصبه الكبير ما كانت لتشغله عن الإملاء والتدريس، إلى أن تفرع لذلك في نهاية الأمر بعد عزله عن القضاء، عقب وفاة صاحبه الوزير الصاحب الأديب.

ويقال في أسباب عزله: إنه كان قليل الوفاء للصاحب الذى قدّمه وأعلى منزلته في دولة بنى بويه، فقد رفض القاضى الصلاة على صاحبه، وقال إنه لا يرى الترحم عليه، لأنه مات من غير توبة! ولا بد لمرتكب الكبيرة، في مذهبهم، من التوبة حتى لا يكون حكمه الخلود في النار!

قالوا: فنقم عليه فخر الدولة لذلك وقبض عليه، وعزله من منصبه، وصادره على ثلاثة آلاف ألف درهم.

ولكن هذا في الواقع لا يفسر سبب عزله ومصادرته، بمقدار ما يفسره عادة أصحاب السلطان في ذلك الوقت، بمصادرة كبار الدولة عند عزلهم، أو عند وفاتهم، والغضب عليهم في بعض الأحيان، حتى عدت المصادرة من «الموارد» الهامة للأمراء والسلاطين! سواء أكان ذلك لاعتقادهم أن ثروات هؤلاء قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت