أحدنا لا يقدر على استنقاذه، وليس في الآية أنه تعالى فعل ذلك، وإنما فيه أن من أضله فلا هادى له، وقد يصح هذا الكلام وإن كان ذلك مما لا يقع البتة. وقوله: (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) ظاهره أنه لا يستنقذهم مما ينزل بهم، وهذا صحيح، لأنه لا يجب عليه تعالى إزالة العقوبات عن المستحق لها، ولا يجب عليه أيضا إخراج الكافر من كفره ومعصيته على جهة القسر، وبعد، فلا يمتنع في نفس فعل العبد أن يقال: إنه لا يملك الضر والنفع إلا ما شاء: من حيث كان تعالى الممكن له فيه بالقدرة وغيرها، والقادر على منعه منه، والمعين له عليه إذا كان طاعة، فقد يجوز من هذا الوجه أن يقال: إنه لا يملك لنفسه منه الضر والنفع، ويراد به أنه لا يصح أن يستبد بذلك على وجه يستغنى فيه عن تفضله تعالى وإحسانه.
ثم يقال للقوم: إن كان الكلام على ظاهره فيجب أن لا يملك الرسول عليه السلام لنفسه التوصل إلى الثواب بالطاعات، والتخلص من العقاب باجتناب المعاصى، ولو كان كذلك لم يكن له مزية في الفضل والرفعة، ولزال عنه المدح والذم، ولما صح منه تعالى أن يؤنبه على [بعض] الأمور، ويتوعده إن هو أقدم على الشرك وغيره، وهذا ظاهر الفساد [1] .
قال الإمام فخرالدين الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذه الآية: المسألة الأولى: [في أن الهداية من اللَّه، وأن الضلال من اللَّه تعالى] اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ الضَّالِّينَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَعَرَّفَ حَالَهُمْ بِالْمَثَلِ الْمَذْكُورِ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْهِدَايَةَ مِنَ اللَّه، وَأَنَّ الضلال مِنَ اللَّه تَعَالَى [2] .
ثم يذکر الإمام اضطرابات المعتزلة في ذلک الموضوع بقوله: وَعِنْدَ هَذِهِ اضْطَرَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَذَكَرُوا فِي التَّأْوِيلِ وُجُوهًا كَثِيرَةً: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُبَّائِيُّ وَارْتَضَاهُ الْقَاضِي أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَهْدِهِ اللَّه إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ الْمُهْتَدِي فِي الدُّنْيَا، السَّالِكُ طَرِيقَةَ الرُّشْدِ فِيمَا كُلِّفَ، فَبَيَّنَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَهْدِي إِلَى الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَنْ هَذَا وَصْفُهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ عَنْ طَرِيقِ الْجَنَّةِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَالثَّانِي: قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ فِي الْآيَةِ حَذْفًا، وَالتَّقْدِيرُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّه فَقَبِلَ وَتَمَسَّكَ بِهُدَاهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضَلِلْ بِأَنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ الْخَاسِرُ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّه بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ وَصَفَهُ اللَّه بِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا فَهُوَ الْمُهْتَدِي، لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْمَدْحِ وَمَدْحُ اللَّه لَا يَحْصُلُ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ الْوَصْفِ الْمَمْدُوحِ، وَمَنْ يُضْلِلْ أَيْ وَمَنْ وَصَفَهُ اللَّه بِكَوْنِهِ ضَالًّا فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَالرَّابِعُ: أَنْ
(1) - متشابه القرآن 1 - 2 للقاضي عبد الجبار الهمداني، (ج 1 ص 367) .
(2) - مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606 هـ) ، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - 1420 هـ)، عدد الأجزاء 32)، (ج 15 ص 407) .