عَظِيمَةٍ وَعُلُومٍ كَثِيرَةٍ يَتَعَسَّرُ اطِّلَاعُ الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهَا بِأَسْرِهَا- وَالْقُرْآنُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا نَظَرًا إِلَى صُورَتِهِ لَكِنَّهُ غَائِبٌ نَظَرًا إِلَى أَسْرَارِهِ وَحَقَائِقِهِ- فَجَازَ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ كَمَا يُشَارُ إِلَى البعيد الغائب [1] .
و قال البيضاوي (ت 685 هـ) في إعراب هذه الآية: ذلِكَ الْكِتابُ ذلك إشارة إلى الم إن أول بالمؤلف من هذه الحروف أو فسر بالسورة أو القرآن فإنه لما تكلم به وتقضى، أو وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار متباعدًا أشير إليه بما يشار به إلى البعيد وتذكيره، متى أريد ب الم السورة لتذكير الكتاب فإنه خبره أو صفته الذي هو هو، أو إلى الكتاب فيكون صفته والمراد به الكتاب الموعود إنزاله بنحو قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. أو في الكتب المتقدمة. وهو مصدر سمي به المفعول للمبالغة. وقيل فعال بمعنى المفعول كاللباس، ثم أطلق على المنظوم عبارة قبل أن يكتب لأنه مما يكتب. وأصل الكتب الجمع ومنه الكتيبة [2] .
و يقول القاضي: [مسألة] وربما قالوا كيف يبدأ تعالى بقوله (أَمْ تُرِيدُونَ) وعند العرب لا يبتدأ بذلك الاستفهام بل يبنى على كلام متقدم.
وجوابنا انه قد يحذف المتقدم اذا دل الكلام عليه وذلك كقوله (الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ) ثمّ قال (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) وقد قيل ان معناه بل تريدون أن تسألوا رسولكم يقول ذلك لليهود وقد تقدم ذكرهم [3] .
(1) - مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، لأبي عبد الله محمد بن عمر الرازي، (ج 2 ص 258) .
(2) - أنوار التنزيل وأسرار التأويل، لناصر الدين البيضاوي، (ج 1 ص 37 - 38) .
(3) - تنزيه القرآن عن المطاعن، للقاضى عبد الجبار الهمذاني المعتزلي، (ص 31) .