إن كل هذه المشاهد تجعلنا ندرك مدى الجهد والمجاهدة والصبر والمصابرة والمثابرة الذين بذلوا من النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام لكي يصل إلينا الدين صافيًا رِقراقًا لا شائبة فيه، ناصعًا واضحًا وضوح الشمس في كبد السماء.
أولًا: تعريف الحمية وأنواعها: جاء في معجم المعاني الجامع: الحَمِيَّة: الأنَفة، إبَاءً."إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ (الفتح 26) ."
-وفيه أيضًا: الحَمِيَّة: المحافظة على المَحْرَم والدِّين من التُهمة.
-جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي رحمه الله:"كان المجتمع العربي في الجاهلية مجتمعًا قبليًّا في البوادي والحواضر تحكمه القوانين والأعراف التي تضمن للقبيلة بقاءها، ولذلك شاعت بينهم العصبية وكانت هذه العصبيَّة على طبقات تناسب الجماعة التي ينتسب إليها أحدهم، فهو في قبيلته يتعصب لأسرته على سائر الأسر، والبطن الذي هو منه على سائر البطون، ويتعصب للقبائل التي يجمعها مع قبيلته أب واحد قريب على القبائل التي يجمعها مع قبيلته أب بعيد، وإلى جانب رابطة الدَّم هذه كانت روابط أخرى كالولاء والجوار والتحالف والمصاهرة، وكلُّها داعيةٌ إلى ضروب من التَّعصب متفاوتة القوة، وتقتضي هذه العصبيَّة أمورًا تدلُّ عليها أمثالهم وأشعارهم، ومنها أن يكون همُّ القبيلة والدفاع عنها مقدَّمًا على ما سواه من الهموم الخاصَّة، ولاسيَّما إذا كان الرَّجل سيِّدًا في قبيلته."
وجاء أيضًا: وتقتضي أن تنصر القبيلةُ أيَّ فرد منها على من سواه، ظالمًا كان أو مظلومًا، من دون أن يسألوا عن الحق إلى أي جانبٍ هو، ولذلك أثنى قريط بن أنيف العنبري على بني مازن لاجتماعهم عند الحفيظة، فقال:
لا يسألون أخاهم حين يندبُهم في النَّائبات على ما قال برهانا
* الحمية نوعان: النوع الأول هو: الحمية الممقوتة التي لا تقر حقًا ولا تنصف مظلومًا وإنما تنساق خلف عادات وتقاليد بالية ومفاهيم مغلوطة وتهدم قيمًا وتنكر معروفًا وتحابي مُنكرًا دون روية أو حجة أو منطق أو إعمال عقل. وهذه هي حمية الجاهلية التي كان بسببها تنشب الحروب الضروس مثل (حرب الفجار - يوم بعاث - داحس والغبراء - حرب البسوس الخ) .