الصفحة 33 من 61

الأشجار موئل الأطيار التي كانت تغني عليها، وهي مرتاد الشعراء الذين كانوا يستوحون معاني شعرهم من جمالها، وهي واحة المسافرين الذين تشويهم الهاجرة بشمسها وسمومها، الأشجار في البكور يزورها الندى، ولما تشرق عليه الشمس يذوب فيتخيل الشعراء أن الورق يبكي وقد عبر عن ذلك المعنى الشاعر حيث قال:

كأنما الطل، والأوراق ترسله

دمع تحدر من آماقها بددا

ورق الكتابة، شجر يثمر الفاكهة من كل لون وطعم لذيذ وهو الواحة التي تنثر الزهر وتنفح العطر.

أراد الله تعالى للإنسان أن يتحول جذع الشجرة من نبات مثمر بالفواكه يغذي البطون، إلى وسيلة مثمرة بالمعارف تغذي العقول. ومن مزهرة بأزكى العطور للأنوف، إلى مزهرة بأنفس الأفكار للعقول والأرواح والنفوس. لذلك قطع الإنسان الأشجار، وحول جذوعها إلى عجينة ثم تحولت العجينة إلى صحف للكتابة عليها.

شرع الإنسان بالكتابة على الورق، مدونًا ذاكرته، العلمية والأدبية والمعرفية، كانت هذه الثقافات تدون بالقصب، إذا أمسكت مخطوطًا، تشعر أنه يختلف عن المطبوع؛ المطبوع جاف الأحاسيس، آلي التركيب والتصنيع، حروفه قاسية لا طراوة فيها.

أما المخطوط، فإن ظِلَّ كاتبِِه مصاحبٌ له، على بُعد السنين، أنامله، لمسات كفيه، أنفاسه، كل هذا مصاحب الخط الذي دبجته يراعه على صفحات القرطاس.

الإنسان صاحب الخط ينثر ذاته في مخطوطه على صفحات الأوراق، منطويًا على ذاته مع طيات صفحات الكتاب على مدار التاريخ مهما طال فالخط يبقى:

الخط يبقى زمانًا بعد كاتبه

وصاحب الخط تحت الأرض مرهون

والمخطوط، هو صاحبه، فإن قلت: يقول ابن جرير الطبري، أو يقول ابن كثير أو يقول حسان شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، فكأنما هذه الأعلام تكلمك الآن، وإذا قلت لك: هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت