لقد دفعنا إلى السقوط في مستنقعات التدخين غياب الوعي بأخطاره، ورغم ظهور نتائج مروعة عن عواقبه، فشركات الدخان العالمية قد هيمنت على جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة، كما اشترت بأموالها ذمم الكثير من الأطباء والعلماء والكتّاب، وزورت الكثير من نتائج البحوث الطبية والنفسية لصالحها، لتوهم زبائنها وعشاقها بعدم وجود علاقة سببية بين التدخين والأمراض الخطيرة التي بدأت تستشري بين متعاطية، كما أنها دفعت أموالًا طائلة لمنتجي ومخرجي الأفلام في أوربا وأمريكا، وللمشاهير من نجوم أفلامها، ليظهر هؤلاء النجوم في مختلف مشاهد أفلامهم وهو يدخنون، من أجل ترسيخ هذه العادة الخبيثة في وجدان وحس المشاهدين، الذين يعتبرون هؤلاء مع الأسف مثلهم الأعلى، وذلك في أسلوب محكم وتدبير مقصود!!.
ويا ليتنا تتبعنا حياة هؤلاء الممثلين، الذي جندتهم تلك الشركات في ترويج هذه العادة الخبيثة بين الملايين من البشر في مختلف أنحاء العالم، فالممثل العالمي يول براينر الذي لم تفارق السيجارة شفتيه في معظم مشاهد أفلامه سقط صريع سرطان الرئة، وسجل لابنته كلمة فيها وصيته الأخيرة قائلًا: (يا بنيتي لا تدخني، وهذه وصيتي لك ولكل إنسان، وأرجوك أن تنشري عني هذه النصيحة) ، وبالفعل طبعت الابنة ملايين الأشرطة، تحمل هذه العبارة البسيطة في مبناها والعظيمة في معناها.
وها هو الممثل العالمي همفري بوجارت يموت عن سبع وخمسين سنة بسرطان الحنجرة، وكان معروفًا في أفلامه بالتدخين بطريقة مغرية، فقلده الكثير من ضحاياه، وبنفس السبب انتهت حياة المطرب العالمي نات كيج عن خمس وأربعين سنة، وكان معروفًا بأداء أغانيه العاطفية وهو يدخن، وليس أعجب من أن نرى أشهر ممثلي أفلام الدعاية لأكثر السجائر الأمريكية رواجًا في العالم، جرمين ميكلرين، وهو يمتطي صهوة جواده، والسيجارة مشتعلة بين شفتيه، ومن حوله مناظر الطبيعة الساحرة، ليخدع بذلك ملايين البشر في العالم، ويلقي بهم في حبائل التدخين، ثم هو على فراش الموت صريع سرطان الرئة يصرخ في حرقة وندم قائلًا: (السيجارة تقتلكم، وأنا الدليل، وأنا الدليل!!) .
ولقد رصدت شركات الدخان العالمية جيشًا جرارًا، من القانونيين والمحامين من خلال سبعين مؤسسة محاماة للدفاع عنها، والذين تدفع لهم مرتبات منتظمة ومجزية، ومعهم جيش آخر من المخبرين السريين الذين يتجسسون على كل من يطالب بالتعويض عما ابتلي به بفعل منتجاتهم المسممة، بهدف إضعاف دعاواهم، كما أصبحت تلك الشركات ترسل عملاءها إلى النوادي والمدارس والجامعات، وترعى المناسبات في مختلف التجمعات، وتقوم بتوزيع عينات مجانية من سجائرها، كما كونت جيشًا من خبراء الدعاية والإعلان لترويج سلعتها الخبيثة، خاصة بين شعوب العالم الثالث، وبعد انخفاض عدد المدخنين في دول العالم الغربي انخفاضًا شديدًا بسبب ارتفاع الوعي بينهم، وللتضييق على المدخنين في مختلف التجمعات والأماكن المغلقة، وبسبب إلغاء الدعاية للدخان في بلادهم،