ومع الأيام بدأت الهمهمات والهمسات تسري بين هؤلاء وأولئك، حول مدي جدوى العلاج فقد انتكست معظم الحالات التي عولجت، وسريعًا ما تحول الأمر إلى احتجاج واستنكار، وصراخ وعويل وحسرة على الأموال التي ضاعت في غمرة أمل كاذب وسراب خداع، فصاحبنا الخبير العالمي يحمل فقط دبلوم متوسط في العلاج الطبيعي، ولقد أنكر الكثير من الأطباء معرفة هذا النوع من العلاج، وأنه ربما ليس إلا نوعًا من الإيحاء، ضخمته في نفوس هؤلاء المدخنين هالة إعلامية فارغة، عاجزة عن التحقق من صدق صاحبنا هذا وأمانته، مع كوننا مع الأسف لا نزال نعيش بعقدة الأجنبي، الذي تمتلئ قلوبنا بالهيبة والإجلال له، ناهيك عن حالة العجز والهوان التي تأسر كل مدخن يتلهف للنجاة من مستنقع التدخين، فيلجأ إلى تلك الأساليب الهشة محاولًا الانفلات من أسره بأقل تضحية، دون اللجوء إلى الله العلى القدير ليمده بمدد من عنده، ودون تحمل مرارة الصبر وألم الحرمان.
? لقد دخنت على مدى ربع قرن بمعدل 25 سيجارة يوميًا، وبما يساوي 228300 سيجارة تتمثل في 11415 علبة سجائر، لو رصت هذه السجائر في صف واحد لكان طولها = 23 كيلو مترًا تقريبًا، كما أن تكرار استنشاقي السموم منها يوميًا حوالي مليون مرة، وتكراره على مدى حياتي 9130 مليون مرة، كما ثبت طبيًا أن تدخين علبة سجائر يوميًا يمثل إجهادًا للقلب يوازي قيادة دراجة لمدة عشر ساعات يوميًا، فأكون مدى فترة تدخيني كأني ركبت خلالها دراجة لثلاث عشرة سنة، وإذا كانت سرعة الدراجة 10 كيلو مترًا في الساعة، فأكون قد أنهكت قلبي بما يساوي الإجهاد المبذول في قيادة دراجة لمسافة 125 كيلو مترًا يوميًا، والذي يمثل مسافة مليون ومائة وأربعين ألف كيلو مترا على مدي سنوات تدخيني، وهو يكافئ الدوران حول محيط الكرة الأرضية قرابة 29 مرة!!، والفرق كبير بين إجهاد بناء يمد الجسم بالقوة والحيوية، وبين إنهاك هدّام له ومدمر!!.
حاولت الإقلاع عن التدخين عشرات المرات، وتحضرني محاولة من تلك المحاولات ففي يوم قررت الإقلاع في صحوة مفاجئة خادعة، وبما دفعني إلى تمزيق علبة سجائري، واتبعت ذلك بإلقاء قداحتي الثمينة من شرفة منزلي، في حماس متوتر وعزيمة مضطربة، وبالفعل لم يمر على ذلك الموقف ساعة من الزمان، حتى انهارت هذه العزيمة، وانطفأ ذلك الحماس، فأجدني بنفس حماسة إصدار قرار الإقلاع أعلن قرار الانسحاب، وكم كان مضحكًا أن أنزل سريعًا إلى قارعة الطريق وفي وقت متأخر من الليل، لأبحث عن قداحتي الثمينة، بين نظرات الإشفاق والريبة التي تحوطني من المارة حولي ثم من ضحكات الأقارب والأصدقاء مع عودتي دون قداحتي، ولا يواسيني بعدها إلا أن أبحث في صندوق القمامة عن بقية من سيجارة أشعلها، لأختفي بين دخانها مع هزيمتي!!.
لقد لاحظت أن ثمن علبة السجائر على مدي 25 سنة من تدخيني وذلك من سنة 1962 م إلى 1987 م، قد أصبح ستة أضعاف قيمتها، وبحساب متوسط ما سيهدره من سيدخن مثلي من الآن وإلى ربع قرن قادم، على فرض الزيادة المستمرة لثمنها، وجدت أنه سيزيد على المائتي ألف جنية، ولكني أطمئنه فلعله سيوفر الكثير من