إلى الله عز وجل، ولكنهم يترفعون أن يؤدوا أقل الأعمال، فهل هؤلاء أخلصوا العمل لله عز وجل في العمل الكبير، وهم يتقاعسون عن أداء العمل الصغير، أم أنهم استصغروه في جنب الله عز وجل الذي يحاسب على مثاقيل الذر من الخير والشر؟!، بل منهم للأسف الذين يلقون الأذى مثل أكياس القمامة في الطريق، ولعلنا نملك أن نتنحى بعيدًا عنه، ولكن الأذى الذي يقع من المدخنين في الأماكن المغلقة والعامة، كيف نتجنبه؟!، هل نكتم أنفاسنا حتى لا نملأ صدورنا بسمومه الفتاكة؟!، وهل هذا يتفق مع الحياء الذي هو من الإيمان؟!.
إن من أكبر العبر أن يكتب على كل علبة دخان تنتج في كل بقاع الأرض نسبة القطران، وهو من مكونات السيجارة الأساسية، وهو الزفت الذي ترصف به الطرق وتدوسه الأقدام والدواب، ثم هو يطأ قلوب وشرايين وصدور المدخنين، وهو الذي يضرب به المثل بالسوء والفساد ذلك حين نقول: هذه ليلة قطران أو فلان أخلاقة زفت، وهو آية لكل مدخن أن يجعل الله عز وجل سرابيل أهل النار من قطران، والسربال هو اللباس الخارجي الذي يحيط بالأجسام، والمدخن يقذف بالقطران في جوفه ليسمم أحشاءه يقول عز وجل: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ* لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [1] ، إنها تذكرة بليغة مدخرة لكل مدخن منذ أربعة عشر قرن من الزمان، ليسأل نفسه كيف أعذب نفسي في الدنيا بنفس عذاب الله عز وجل للكفار في النار؟!.
وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ) [2] ، وتلك تذكرة أخرى وإهانة بالغة أن يقرن النبي صلى الله عليه وسلم القطران الذي ندخنه بالجرب، وهو مرض جلدي مقزز، وكذلك من الامتهان المزري أن نشتري سلعة يكتب منتجها على ظهر علبها أنها ستدمر صحتنا، بل ستقتلنا ومعها تحذير لجليسنا أن لا يقترب منا عند تدخيننا!!، وكأن منتج هذه السيجارة يخرج لسانه لنا ويقول: (وبرغم ذلك كله فستشتري منتجي صاغرًا!!) .
(1) إبراهيم: 49 - 52.
(2) رواه مسلم (934) .